نتابع زيارات رئيس الحكومة نواف سلام إلى طرابلس وعكّار كما يتابعها كلّ الشماليّين. ومع كلّ زيارة إلى طرابلس والشمال، يحاول رئيس الحكومة نواف سلام أن يبدو مختلفًا عن سلفه. لا يطلب الحشود ولا يسعى للعراضات السياسية المعتادة، بل يركّز على إعطاء الطابع العملاني لزياراته بعيدًا من الصور والشعارات ومنطق اللافتات.
في زيارتيْه إلى طرابلس منذ تسلّمه رئاسة الحكومة قبل أشهر، يبدو المشهد الطرابلسي مختلفًا تمامًا عن زيارات رؤساء الحكومات السابقين كسعد الحريري ونجيب ميقاتي ابن طرابلس. تغيب الحشود الجماهيرية ومعها المهرجانات الصاخبة، وتحلّ مكانها لقاءات هادئة ورسائل مركّزة تعكس نهجًا جديدًا للدولة في مقاربة الحكومةِ المدينةَ والشمالَ عمومًا.
قد يكون الحضور لا يملأ صفًا واحدًا. ثمّة من وضع الأمر بعهدة المنظّمين وفشلهم في الاستقطاب. وبغياب المشهديّة التقليدية المعتادة، ما أثار تساؤلات كثيرة في المدينة وعلى مساحة الشمال. هناك من وضع الأمر في خانة أن الرئيس سلام، الذي لا يملك شعبية أو كتلة نيابية واسعة، لا يمكنه أن يحشد الناس بسهولة. لكنّ كثرًا في طرابلس رأوا في هذا الأسلوب، صورة جديدة لرئيس ومسؤول لبناني، يأتي إلى مناطق الأطراف ليعاين المشاريع والمرافق، ولا يهتم إن امتلأت الكراسي أو لم تمتلئ، أو إن استقبله أحد أو لم يستقبله. ومن يعرف الرئيس نواف سلام عن قرب يخبر بأن الرجل فعلًا لا يفكّر كسياسيّ لبنانيّ تقليديّ، ولا يهتمّ بالجمهرة والحشود، إنما يفكّر بطريقة مختلفة تركّز على العمل الحقيقي والمردود الملموس للمدينة والمنطقة.
وخلال كلمته في الزيارة الأخيرة إلى طرابلس، ربّما أراد الرئيس سلام أن يجيب عن هذه التساؤلات بوضوح ويتحدّث عن النهج الذي ينتهجه تحديدًا. لقد قال: "طرابلس، ومعها الشمال، عانت لعقود طويلة من الفرص الضائعة، والمشاريع المؤجّلة، والوعود التي لم تتحقق. اليوم، نحن في هذه الحكومة عازمون على قلب الصفحة وفتح مسار جديد، يقوم على العمل لا على الوعود. نحن لا نأتي إلى طرابلس لإلقاء كلمات عابرة، بل لنقول بوضوح إن زمن الفعل قد بدأ".
في المقابل، وبعد الزيارة الطرابلسية الأخيرة التي تفقّد فيها رئيس الحكومة معرض رشيد كرامي الدولي ومرفأ طرابلس كما زار غرفة التجارة والصناعة والزراعة، عبّر العديد من أبناء طرابلس والشمال عن تقديرهم لاهتمام رئيس الحكومة نواف سلام بالمشاريع الفعلية، معربين في الوقت نفسه عن أملهم في تحويل الكلمات إلى أفعال ملموسة. يقول أحد أبناء المدينة:
"طرابلس شبعت وعودًا… ما نحتاجه اليوم هو عمل حقيقي يعيد الأمل لأهلها".
بهذه الزيارات الهادئة والرسائل الواضحة، يضع رئيس الحكومة نهجًا جديدًا للتعاطي مع طرابلس والشمال، مؤكّدًا أنّ تفكيره ومجهوده منصبّان على الإنجاز، لا على الصور أو استعراض القوّة.