الدكتور سايد حرقص

إلى العماد ميشال عون بين 1990 واليوم رجاءً صارحنا: ماذا تغيّر؟

5 دقائق للقراءة

نكتب إليك بحبرٍ ممزوج بدماء الشهداء ودموع الأرامل والأمهات الثكالى، لنسألك بمحبة وصدق ووجع: لماذا قررتَ خوض "حرب الإلغاء" عام 1990 ما دمتَ اليوم تنادي بالحوار؟ تلك الصفحة المخيفة، المدمّرة والمؤلمة، حملت توقيعك وقرارك وإصرارك.


صورة الشاعر الكبير سعيد عقل خلفك في قصر بعبدا، وهو يهزّ رأسه استحسانًا وأنت تصرخ بأعلى صوتك: "لا جيش مع الميليشيات، ولا دولة مع دويلات... إمّا أن تبقى الميليشيات وتزول الدولة، وإمّا أن تزول الميليشيات ليبقى الجيش وتبقى الدولة"، طُبعت في ذاكرة جيل كامل كان يبحث بين حطام الدمار عن أشلاء وطن، كما كان سعيد عقل يبحث عن حبّة تراب لا تحبّ الجنرال.


لقد كانت صدمتنا كبيرة حين اكتشفنا التناقض الصارخ بين شعاراتك بالأمس وواقعك اليوم.


اليوم، وبعد أن خفّ جنون العواطف، وعاد العقل والمنطق ليدقّقا في مراحل تلك الحقبة السوداء، يتبادر إلى الذهن السؤال الأول: كيف يمكن لجنرال شارك المقاومة اللبنانية شرف الدفاع عن الوطن، وساهم في إسقاط مشروع الوطن البديل، أن يشنّ حربًا على إخوته بعدما قاسمهم برد الجبهات، ومشى بفخر وراء قائدهم الشهيد، ودربهم على القتال، ثم غدر بهم بحجّة إلغاء الميليشيات... ليعود لاحقًا متحالفًا مع أكبر ميليشيا في لبنان؟


في 31 كانون الثاني 1990، أعلنتَ حربًا لا هوادة فيها على القوات اللبنانية التي كانت السند والداعم الأساسي لك في حرب التحرير. كانت حربًا قاسية ومدمّرة ومرعبة سقط فيها آلاف الضحايا، واستخدمتَ خلالها وبعدها كل أدوات الدعاية السوداء لتشويه صورة المقاومة اللبنانية بعدما عجزتَ عن إلغائها بالقوة. في تلك الحقبة، كان سلاح القوات اللبنانية سلاح مقاومة شريفة حليفًا لك في وجه الاحتلال السوري الذي سيطر على معظم الأراضي اللبنانية. كان بإمكانك اختيار طريق الحوار، والجلوس إلى طاولة واحدة لتوحيد الصفوف ضد العدو المشترك، خاصة وأنك كنت تدّعي أنك ابن المقاومة اللبنانية كما أنت ابن المؤسسة العسكرية. لكنك اخترت فجأة، ومن دون سابق إنذار، الرصاص والدم والموت.


تلك الحرب لم تُلغِ القوات اللبنانية، لكنها تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الجماعية. كانت بمثابة رصاصة في رأس المجتمع المسيحي، قضت على فرصة توحيد السلاح لدحر الاحتلال وتحرير الأرض، بل كانت الزلزال الذي دمّر أسس المناطق المحررة وساهم بشكل أساسي في سيطرة الاحتلال السوري على كامل تراب لبنان. واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال السؤال يطاردك: لماذا كان الدم هو الحل؟ لماذا كان الرصاص هو الجواب؟ لا سيما وأن حربك الفاشلة التي سمّيتها "حرب التحرير" كانت قد أضعفت قدرة المناطق الحرّة على الصمود، وعزّزت مخاطر اجتياح سوري حقيقي لها بعدما أُحكم الحصار بفضل حروبك غير المدروسة.


بعد عودتك من المنفى عام 2005، بدا وكأنك تحمل حلم الدولة القوية الموحّدة. لكن سرعان ما قتلتَ الحلم من جديد، وصدمتَ من راهن عليك مرة أخرى حين وقّعتَ تفاهم مار مخايل مع حزب الله في 6 شباط 2006. الرجل الذي حارب الميليشيات بالأمس تحوّل فجأة إلى حليف استراتيجي لأقوى وأكبر ميليشيا في لبنان.


هذا التحالف لم يكن مجرد تفاهم سياسي، بل كان تحالفًا عضويًا منح حزب الله غطاءً مسيحيًا وشرعيةً لمشروعه المسلّح. لقد أصبحتَ أنت، الذي كنت رأس حربة في المطالبة بنزع سلاح الميليشيات بالقوة، المدافع الأول عن سلاح حزب الله، والرافض لأي حوار أو نقاش حوله.


وهنا يطرح السؤال الثاني نفسه: هل كان الوصول إلى قصر بعبدا أهمّ من مبدأ الدولة؟ وهل يمكن أن يُبرَّر التحالف مع مشروع إقليمي–أصولي–ديني يرى لبنان مجرّد ساحة لتنفيذ استراتيجيته الكبرى، في مقابل تحقيق طموح سياسي شخصي؟

خلال ولايتك الرئاسية، عزّزت ميليشيا حزب الله هيمنتها على مؤسسات الدولة المدنية والاقتصادية وحتى العسكرية، إلى درجة ساهمت في تعكير علاقات لبنان مع دول الخليج العربي ودول الغرب. وقد كان هذا أحد الأسباب الرئيسية لتجميد مؤتمر "سيدر"، وازدياد فوضى الإنفاق غير المجدي، والتهريب المقونن تحت مسمّى "لصالح المقاومة"، مما دفع البلاد إلى حافة الانهيار.


اليوم، تدعو إلى حوار حول سلاح حزب الله. ولكن أيّ حوار هذا الذي تأخّر كل هذه السنوات؟ خلال ولايتك كان بإمكانك فتح نقاش جدي ومسؤول، لكنك فضّلت الصمت ومنحت السلاح الوقت الكافي ليترسّخ في مؤسسات الدولة ويصبح جزءًا من معادلة الحكم.

إن دعوتك المتأخرة إلى الحوار تبدو أقرب إلى محاولة يائسة لتبرير موقف أو تلميع صورة. فالحوار الذي كان يمكن أن يحلّ الأزمة في بداياتها أصبح اليوم مجرد مسرحية سياسية. ما جدوى الحوار بعدما تحوّل السلاح إلى هيمنة في الأمس، وإلى خردوات اليوم؟


يا فخامة الرئيس، إن التاريخ لا يرحم. تجربتك تترك للأجيال القادمة سؤالًا مفتوحًا: هل كان مشروعك حقًا مشروع بناء دولة، أم كان مجرد هوس بالكرسي؟


إن التناقض الصارخ بين ماضيك وحاضرك يحفر جرحًا عميقًا في الذاكرة الوطنية. هذا الجرح لا يُشفى إلا بقطع طريق الازدواجية ورفع الأقنعة. نحن لا نطالبك بتبرير، بل باعتراف: اعتراف بأن الدولة لا تُبنى على تناقض، وأن دماء الإخوة لا تُستبدل بمكاسب سياسية.

لبنان لا يزال يبحث عن جيش واحد ودولة واحدة، لا يقتل فيها الأخ أخاه مرة أخرى من أجل كرسي.