خاص - نداء الوطن

الكاظمي ينتفض على ضَيم "اعترافات الموسوي" الممهورة سياسيًا

7 دقائق للقراءة
ترتاب طهران من عودة الكاظمي إلى المشهد السياسي العراقي

ضجّ المشهد السياسي العراقي في الأيام الأخيرة بحملة سياسية الطابع شُنَّت بسلاح وسائل التواصل الاجتماعي على رئيس الحكومة العراقية السابق مصطفى الكاظمي، ما دفعه إلى الانتفاض على ما يعتبره ضيمًا ممهورًا بتوقيع جهات سياسية محلية تتفيّأ داخليًا بمظلة "الإطار التنسيقي"، وخارجيًا بالدولة الراعية له، إيران، التي تعتبر أن الكاظمي، خلال ترؤسه الحكومة عام 2020 لحوالى سنتين ونيّف، لم يكن ورقة طيّعة يسهل التلاعب بها، كما كان ولا يزال يحصل مع سواه من رؤساء حكومات أو بعض السياسيين العراقيين، وترتاب أيضًا من عودته بقوّة إلى المشهد السياسي العراقي، لاعتبارها أنه يغرّد خارج "السرب الشيعي الفارسي"، نظرًا لشخصيته المنفتحة والمعتدلة ولشبكة علاقاته العنكبوتية الإقليمية والدولية، خصوصًا علاقته المميزة مع قادة بلاد "العم سام"، التي عادت بالنفع على العراقيين خلال ولاية الكاظمي الحكومية القصيرة نسبيًا.


تضمنت التسريبات، التي قِيل إنها اعترافات نُسبت إلى الموظف في جهاز الاستخبارات ضياء الموسوي، اتهامات بعمليات فساد وابتزاز قام بها رئيس "لجنة الأمر الديواني 29" الفريق أحمد أبو رغيف. وكان الكاظمي قد شكّل هذه اللجنة بغية ملاحقة قضايا الفساد، بيد أن عمرها لم يكن مديدًا، إذ مع تربّع رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني على رأس السلطة، تم حل اللجنة، لا بل عملت السلطات الوليدة على ملاحقة الضباط الذين انخرطوا فيها، ومن ضمنهم أبو رغيف. وكانت سلطات بغداد قد أحالت الموسوي في عام 2023 إلى الجهات القضائية المختصة، للاشتباه في أنه متهم رئيسي في سرقة الأمانات الضريبية المعروفة بمسمّى "سرقة القرن".


وتعتبر أوساط عراقية متابعة للملف أن إفادة الموسوي مشكوك بأمرها، كونه مساعدًا للسوداني منذ 15 سنة، وتتحدث عن وثيقة كتبها السوداني تشيد به، كما كتب رسالة أخرى إلى نوري المالكي عندما كان رئيسًا للحكومة يشيد فيها أيضًا بالموسوي. وتضيف الأوساط عينها أنه بعد تحقيقات دقيقة من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي استمرت عامين، لم يتم العثور على أي تجاوزات أو حالات فساد في "لجنة الأمر الديواني"، أي اللجنة العليا لمكافحة الفساد ومتابعة الميليشيات.


وتقول المصادر العراقية إنه رغم ثبوت جريمة سرقة نور زهير لمليارَي دولار واعتقال حكومة الكاظمي له، فقد تم إطلاقه خلال ولاية السوداني، بل ومنحه مشاريع بمليارات الدولارات، قبل أن يفرّ خارج البلاد، عقب صدور حكم مخفف بحقه. ومع ذلك، لم تُقدّم الحكومة طلبًا لـ"الشرطة الدولية" لاسترداده، بينما هناك أفراد من حكومة الكاظمي لم تثبت بحقهم أي تهم، ومع ذلك تُصرّ الحكومة على المطالبة باستردادهم، في وقت أصدر فيه "الإنتربول" تعميمًا برفض تسليمهم بعد الاطلاع على التحقيقات التي بيّنت أن الاتهامات الموجّهة إليهم مفبركة ولا تستند إلى أدلة قاطعة.


التسريبات التي استندت إلى اعترافات الموسوي المزيّفة والمفبركة تضمنت أيضًا اتهامات للكاظمي ومقرّبين منه وبعض معاونيه باستغلال مواقعهم لمنافع شخصية، ولدعم جهات خارجية. بيد أن جهات قانونية رأت في هذه التسريبات "مدعاة للسخرية"، كونها استندت إلى نص "اعترافات مزعومة" وخلت من تواقيع لضباط تحقيق، كما أنها لا تحمل تواريخ، وبالتالي تندرج خارج سياق أي وثيقة رسمية يُعتدّ بها. بالإضافة إلى ذلك، هناك تسجيل صوتي سُرّب للموسوي ينفي فيه صحة الاعترافات المنسوبة إليه، معتبرًا أنها ليست إفادته ولا حتى تقريرًا رسميًا، بل مجموعة صفحات ورقية جُمعت من كل مكان، ولا تمت إليه بأي صلة.


وعلمت "نداء الوطن" أن الكاظمي يتساءل في أوساط محيطيه، لماذا لا يتم استدعاؤه إلى التحقيق في بغداد للتأكد من صحة هذه المزاعم من عدمها، بينما قوبل المحامون الذين قصدوا القضاء لرفع دعوى ضد هذه التسريبات بالرفض لعدم وجود أي تحقيق من هذا القبيل في دوائر القضاء العراقي، الذي لا يبت بدعاوى تستند فقط إلى إشاعات.


كما ردّت مصادر رئيس الحكومة العراقية السابق أسباب الفبركات الإعلامية إلى موقف الكاظمي الواضح والصريح وغير الموارب حيال السلاح المتفلت في "بلاد الرافدين" والميليشيات التي تتحكم برقاب العراقيين، مستندة إلى "فائض قوّة" النفوذ الإيراني، أو ما تبقّى منه. كما اعتبرت المصادر عينها أن الأدوات السياسية التابعة لإيران داخل الحكومة التي شكّلها "الإطار التنسيقي" تسعى إلى السيطرة على مفاصل الدولة، من خلال إقصاء القوى المدنية الفاعلة، وعلى رأسها الكاظمي.


كذلك، تردّ المصادر عينها سبب "الاعترافات الملفقة" إلى أهمية مشروع الكاظمي لمكافحة الفساد، وقد حاولت قبل ذلك المحكمة الاتحادية، بتأثير من "رجل إيران القوي" آنذاك القاضي جاسم العميري، تعطيل عمل اللجنة الخاصة بمكافحة الفساد. وتضيف المصادر أنه مع تربّع السوداني على رأس الحكومة، حاول قلب الحقائق بجعل المتهمين "فاسدين أبرياء"، وتحويل محققي الفساد ومكتشفيه إلى متهمين، لغرض الانتقام ونسف صدقية حكومة الكاظمي. وأردفت المصادر أنه من ضمن الأمثلة البارزة أيضًا قضية قاتل الخبير الدولي في شؤون الإرهاب هشام الهاشمي، الذي اعتقلته حكومة الكاظمي وصدر بحقه حكم بالإعدام. لكن بعد وصول حكومة "الإطار" بقيادة السوداني، أُطلق وأُعيد الى وظيفته في وزارة الداخلية، علمًا أنه أحد قادة كتائب "حزب الله".


وبحسب مصدر سياسي قريب من "الإطار التنسيقي"، فإن جذر المشكلة تعود إلى مواجهات سياسية – إعلامية حصلت أخيرًا بين عدد من القوى والميليشيات المسلّحة المدعومة من إيران، ومحاولاتها حرف الرأي العام عن ذلك. ويضيف المصدر أن الزج بالكاظمي جاء كـ"حلّ" لهجمة إعلامية تتعرض لها هذه القوى والميليشيات على حدّ سواء، على قاعدة أن "الجمهور العراقي يسهل إلهاؤه بمثل هذه القضايا، حتى وإن كانت ملفقة، فهذه جزء من الحرب التي عادة ما تقوم بها القوى السياسية قبل أي انتخابات". ويختم في حديثه، إن ما جرى مع الكاظمي كان "فعلاً" تجاوزًا لكل الخطوط الحمر، لكن للأسف "لم يعد هناك أي رادع أمام بعض القوى في صياغة خطاب جيوشها الإلكترونية".


فضلًا عن كل ما تقدّم، فإن الكاظمي، صونًا لكرامته ولكرامات المحيطين به، وقطعًا للطريق على محاولات اغتياله سياسيًا، بعد عدة محاولات فاشلة لاغتياله جسديًا، أرسل رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ومن خلاله إلى من يعنيهم الأمر، هدد فيها "الإطار التنسيقي" بفتح "خزائن الوثائق" على خلفية التسريبات التي نُسبت إلى الموسوي، عادًّا إياها خروجًا على العرف السياسي وانزلاقًا نحو حرب غير أخلاقية. واتهم جماعات قريبة من الفصائل و"الإطار" في "الرسالة الغاصبة" بنشر اعترافات مفبركة لضياء الموسوي تتحدث عن وقائع مزيّفة وغير موثّقة قضائيًا بهدف الإساءة والتشويه المتعمّدين، مؤكدًا أن التنافس السياسي يجب ألا يتخطى حدود الأبواب وسمعة الأعراض، كما طالب أيضًا رئيس البلاد بفتح تحقيق عاجل بـ "تسريبات الموسوي".


يبدو جليًا أن الحملة الممنهجة ضد الكاظمي بدأت بتصريحات وهجمات كلامية منظَّمة تقف وراءها ميليشيات وعناصر لصيقة بإيران، بعدما جاهر الكاظمي في تصريح له بأن "إيران تغذي الفساد والسلاح المتفلّت والميليشيات والجهل في العراق". يبقى أن "بلاد الرافدين" تحرّرت عام 2003 من "نِير الديكتاتورية البعثية"، وخرجت إلى "رحاب نور الحرّية"، غير أن بعض الجهات السياسية فاتها أن لهذه الحرّية حدودًا تنتهي عند أعتاب كرامات الآخرين ونضالاتهم السياسية وإنجازاتهم الوطنية.



رسالة من السوداني يشيد فيها بالموسوي