الدكتور سايد حرقص

الصراع المائي من نهر الليطاني الى نهر هلمند

6 دقائق للقراءة

في زمنٍ باتت فيه الأزمات تتوالد من رحم المصالح والحساسيات الطائفية، يطرح سؤال وجودي نفسه على المشهد الإقليمي: هل يمكن أن تصبح ندرة المياه وقوداً لصراعات جديدة، تتجاوز الجغرافيا لتنتقل بين الليطاني وهلمند؟ فتصبح بيروت المأزومة سياسياً واقتصادياً صورة مصغرة لشرق يختنق بالأحقاد والكراهية، بعد أن هجره العقل والمنطق وتركه فريسة للجنون الداخلي والمصالح الإقليمية والدولية.


​لبنان الغارق في انقسامات طائفية-وطنية واصطفافات إقليمية - دولية، يجد نفسه في قلب شبكة من التوترات التي تمتد من كابول إلى طهران وبغداد ودمشق وبيروت واسطنبول والقدس وغزة. وبينما تُعتبر بيروت رمزًا واضحًا لتلاقي الأزمات الدولية على أرض محلية هشة، فإن ما يغلي تحت الرماد بين إيران وأفغانستان حول "الحرب المائية-الطائفية" قد يشكل نموذجًا خطيرًا قابلاً للاستنساخ والانفجار والتمدد ليشعل الشرق كله.


​الخلاف بين إيران وأفغانستان ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى عقود، حيث يشكّل نهر هلمند شريان حياة رئيسي لكلا البلدين. وقد تم توقيع معاهدة في عام 1973 بين طهران وكابول، حددت حصة إيران من مياه النهر بـ 820 مليون متر مكعب سنويًا. غير أنّ هذه المعاهدة لم تُطبَّق بشكل كامل، واستفادت إيران من الانقلابات والحروب المتلاحقة في أفغانستان لزيادة حصتها المائية على مدى ثلاثة عقود.


​أثار، تشييد وتطوير سدود كبرى في أفغانستان بتمويل أميركي، أبرزها سد كمال خان الذي افتُتحه الرئيس الأفغاني الموالي لأمريكا في آذار 2021، حفيظة إيران التي اعتبرته تهديداً مباشراً وخطيراً لأمنها المائي . علما أن هذه السدود ساهمت من جهة بتطوير قطاعي الزراعة والكهرباء في أفغانستان لكنها في المقابل أدت الى زيادة مستوى التصحر والجفاف وعواصف الغبار في إقاليم مثل سيستان وبلوشستان في ايران. بعد آب 2021 تحول الوضع من مقلق إلى متفجر بعد انسحاب الجيش الأميركي وتسلم حركة طالبان الحكم في أفغانستان، وبات هذا السد، الذي تم إنشاؤه لغايات تنموية زراعية وكهربائية، خطرًا أساسيًا يهدد الأمن المائي لإيران.


بعض المحللين الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة قارنوا بين افتتاح السد في آذار 2021 وتسليمه بعد بضعة أشهر لطالبان في آب 2021 واستنتجوا أن السد هو جزء من خطة مدبرة من أميركا لوضع فتيل متفجر بين الطرفين في المستقبل حسب برنامج المصالح الأميركي لكن هذه النظريات تبقى ضمن إطار نظرية المؤامرة من دون أي اثباتات واضحة.


​الملفت أنّ الصراع على المياه بين أفغانستان وايران تحوّل تدريجيًا إلى أداة تعبئة طائفية، خاصة وأن الجارين باتا تحت حكم مجموعات دينية متطرف . في إيران، يجري توظيف القضية لإثارة مشاعر قومية-مذهبية ضد "طالبان السنية" التي يُنظر إليها كخصم أيديولوجي يهدد أمن النظام. أما في أفغانستان، فتقدَّم المعركة على أنّها مقاومة قومية-طائفية لتدخل إيراني شيعي في شؤون البلاد. وهكذا تتداخل الندرة المائية مع الاصطفاف الطائفي لتُنتج معادلة متفجرة لن ترحم احدا.


​قد يبدو النزاع بعيداً عن لبنان جغرافياً، لكنّه يلامس بيروت وبغداد مباشرة من خلال الدور الإيراني وحلفائه. فإيران، التي تستثمر في أذرع عسكرية وسياسية في المنطقة، قد تجد نفسها مضطرة لموازنة أزماتها الداخلية والخارجية عبر تصعيد خطابها السياسي، أو دفع حزب الله في لبنان أو الحشد الشعبي في العراق إلى استخدام الورقة اللبنانية والعراقية كأداة ضغط أمني لمواجهة الضغط الإقليمي والدولي.


​وإذا كان اللبنانيون اليوم يعانون من أزمة كهرباء وماء وسوء إدارة وانهيار مالي واقتصادي وفساد مستشرٍ،لعدة أسباب داخلية وخارجية فإنّ أشباح الحرب المائية قد تصل إليهم بطرق مباشرة وغير مباشرة. لأن الصهيونية الدولية، ومنذ نشأتها، تجاهر بأطماعها المائية في لبنان والمراسلات بينها وبين الدولة الإنكليزية قبل وخلال الحرب العالمية الاولى بالاضافة لرسائل قادتها الى مؤتمر فرساي تعطي اثباتات دامغة لا تترك مجال للشك في هذه الأطماع. على سبيل المثال لا الحصر ،قدَّمت قيادة الحركة الصهيونية اقتراحًا لمؤتمر فرساي طالبوا فيه بترسيم الحدود الشمالية لفلسطين تشمل كامل حوض الليطاني. كانوا يرون أن “الحياة الاقتصادية لفلسطين تعتمد على الإمدادات المائية، وأن “جبل الشيخ هو مَعْلَم المياه” وأن استبعاده يؤدي إلى “ضرب جذور الحياة الاقتصادية” . كما أصدرت المنظمة الصهيونية مذكرة رسمية في 3 شباط 1919 طالبت فيها بضم أجزاء من لبنان، حتى مدينة صيدا وجسر القرعون ومرتفعات الهارمون (جبل الشيخ)، بما في ذلك نهر الليطاني .في مؤتمر فرساي، أدلى اللورد هربرت صموئيل ( أول مندوب سامٍ بريطاني في فلسطين وكان مناصرا متطرفا للصهيونية الدولية) بتصريح قال فيه إن “جبل الشيخ هو مصدر المياه الحقيقي لفلسطين، ولا يمكن فصله عنها دون القضاء على حياتها الاقتصادية، ولهذا يجب أن يكون خاضعًا لنا بالكامل، بالإضافة إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق دولي لتأمين المياه في جنوب نهر الليطاني” . هذه الاثباتات التاريخية تعزز الشكوك اليوم بأحتمال استغلال إسرائيل لموضوع سلاح حزب الله والنفوذ الإيراني كذريعة لتحقيق أطماعها الاستراتيجية، عبر رفع منسوب التوتر العسكري، وتحويل لبنان مرة جديدة إلى ساحة اختبار لصراعات الغير على أرضه خاصة وأن التصرفات الإيرانية وخطابات مسؤولي حزب الله لا تقيم اي وزن لخطر المطامع الإسرائيلية في جنوب لبنان وتركز بشكل محدود على مصالح ايران النووية غير آبهة بنتائج قراراتها على الدول المحيطة وقد اعطى الخطاب الاخير للشيخ نعيم قاسم صورة واضحة عن التوجه الإيراني الجديد خاصة وانه جاء مباشرة بعد زيارة لريجاني الى بيروت .فقد نسي الشيخ نعيم قاسم إسرائيل وهاجم الحكومة اللبنانية وهدد الشعب اللبناني بحرب كربلائية في حال اقدام الدولة على محاولة نزع سلاحه


​لا شك أنّ العالم يغادر زمن أمن الطاقة ويدخل عصر الأمن المائي كعامل رئيسي في النزاعات. وإذا كانت السيطرة على "منابع النفط" طبعت حروب القرن العشرين، فإنّ الصراع على "منابع المياه" سيكون عنوان حروب وأزمات القرن الحادي والعشرين. فحين تجتمع ندرة الموارد مع بارود الطائفية المتفجر، يصبح احتمال الانفجار كبيراً، من أفغانستان حتى جنوب لبنان.


​الأزمات لا تبقى حيث تولد. ما يجري على ضفاف نهر هلمند قد يتحوّل إلى موجات صراع عابرة للحدود، تصل ارتداداتها إلى لبنان الممزق. وإذا لم تُعالج جذور النزاع بين إيران وأفغانستان وقضية سلاح حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان عبر آليات دبلوماسية واقتصادية وسياسية تحفظ التوزيع العادل للمياه والسيادة الوطنية اللبنانية، فقد نشهد في المستقبل القريب ولادة "حروب مائية" تلبس لبوساً طائفياً، ستفجر الشرق بكامله.