على الرغم من الواقع المالي والاقتصادي والمصرفي وارتفاع نسبة الفقر في لبنان، تستمرّ شريحة واسعة من الناس في اللهاث خلف أنماط استهلاك مرتبطة بالـ "برستيج" مثل اقتناء الهواتف الحديثة، قروض السيارات، حفلات الأعراس المكلفة، أو ارتياد مطاعم باهظة.
ففي العاصمة بيروت وضواحيها، ارتفعت نسب الاستدانة الفردية لشراء هواتف "iPhone" أو تنظيم حفلات تخرّج، وأعراس، رغم أن أصحابها قد لا يستطيعون دفع بدلات الإيجار أو الأقساط المدرسية، ما يخلق ضغطًا نفسيًا هائلًا، وشعورًا مستمرًا بالعجز أو الإحباط.
ومن هنا، يأتي تأكيد بعض علماء النفس في السنوات الأخيرة أنّ اللبنانيين أصبحوا اليوم داخل دوّامة "الاحتراق النفسي الاستهلاكي" والأخطر أنّ الفرد نفسه أصبح بلا مناعة، فلا التربية ولا التعليم ولا الإعلام توفر أدوات وعي أو دفاع، وأنه في ظلّ غياب المناعة النفسية والثقافية بدأ اللبناني يتحوّل إلى وعاء مفتوح تُسكب فيه الرغبات المصنّعة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي وعميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري أن هذه الظاهرة في لبنان تتجاوز كونها سلوكًا فرديًا إلى كونها نتيجة بنيوية لسياق اقتصادي - اجتماعي مختلّ. فالاستهلاك التلقائي الذي نشهده، خصوصًا في لحظات الانهيار المالي، لا يعكس ترفًا بقدر ما يكشف عن محاولة فردية لتعويض انعدام السيطرة.
ويعطي الخوري مثالًا وهو أن انهيار الليرة اللبنانية لم يؤدِّ فقط إلى تسارع الأسعار المقوّمة بها، بل أضيف إليه أيضًا تسارع التضخم حتى في السلع والخدمات المسعّرة بالدولار أو العملات الأجنبية، نتيجة اضطراب البنية التحتية، وتكاليف التشغيل، وانعدام اليقين في السوق.
ويتابع أنّ هذا الاضطراب المستمرّ حوّل الليرة إلى كيان فاقد للثقة، ما شجّع على استبدالها الفوري بأي "قيمة" محسوسة، حتى وإن كانت سلعة غير ضرورية. ليخلص بأنه ومن هنا، يغدو الإنفاق شكلًا من أشكال المقاومة النفسية، في ظلّ غياب أي ضمانات مستقبلية أو منظومات حماية اجتماعية.
ويلتقي العديد من علماء النفس على أنّ هذا السلوك ناجم عن تأثير ثقافة المقارنة عبر السوشيال ميديا، وضغط الصورة الاجتماعية، ما يدفع الأفراد إلى اختيارات استهلاكية تفوق قدراتهم الحقيقية، وتُنتج لديهم نوعًا من "الاحتراق النفسي الاستهلاكي".
أمّا على الصعيد الاجتماعي، فيشير الخوري إلى أنّ السلع لم تعد تلبّي حاجات، بل تسدّ فجوات رمزية. معتبرًا أنه في مجتمعات متفكّكة معنويًا ومؤسساتيًا، تتحوّل الدمى والحقائب والأحذية إلى رموز هوية وانتماء، تعوّض انهيار البنى الجامعة؛ حيث تؤدي منصات التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في ترسيخ هذه الرمزية، عبر تكرار بصري وعاطفي يولّد حاجات وهمية.
ويعلّق الخوري على ظاهرة "Labubu"، حيث تحوّلت من دمية بلا قيمة استخدامية فعلية إلى رمز استهلاكي مشحون بالمعاني، مفعّل بخطاب الندرة والتميّز، ما يعكس آليات الرأسمال الرمزي كما صاغها "بيار بورديو" ، وهكذا اكتسحت دمية صينية الأسواق العالمية وصولًا إلى الأسواق اللبنانية.
ويُعرّف بورديو - وهو عالم اجتماع فرنسي، يعدّ أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر- "الرأسمال الرمزي" بأنّه شكل من أشكال القوّة غير المعلنة، يعتمد على الاعتراف الاجتماعي والشرعية التي يُضفيها المجتمع على الرأسمال الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي عندما يُحوَّل إلى رمزية.
بدورها، تصف الباحثة في التنمية البشرية فيفيان عطية هذه الظاهرة بـ "الخطيرة" كونها تُنهك الفرد نفسيًا دون أن يشعر بها، "فهي حالة من التعب الداخلي الناتج عن الركض المستمرّ خلف ترندات ومنتجات لا قيمة فعلية لها، تُروَّج بأساليب عاطفية عبر السوشيال ميديا".
وتضيف "أننا بتنا اليوم أمام مشهد تحوّل الرغبة إلى عبء، وها نحن نرى كيف باتت الشركات والماركات تعتمد على المؤثّرين والمشاهير لتسويق منتجات غير ضرورية، وأحيانًا بلا أي قيمة حقيقية. ويكفي ظهور هذه المنتجات في فيديو مؤثر أو مع شخصية محبوبة، حتى تتحوّل إلى "حاجة" ملحّة. وهذا نوع من التسويق النفسي العميق الذي يستغلّ العاطفة بدل المنطق" وفق تعبيرها. وهذا ما فعلته دمية Labubu، التي أصبحت رمزًا نفسيًا عند البعض، فقط لأنها اقترنت بمشاهد حزينة أو مؤثرة، فالمستهلك لا يشتري المنتج، بل الإحساس المرتبط به.
وفق نظرية الحاجات لأبراهام ماسلو، على الإنسان أن يُلبّي حاجاته الأساسية أولًا (كالأمان، والغذاء، والانتماء)، قبل الانتقال إلى رغبات أعلى كالشهرة أو اقتناء الكماليات. لكنّ الواقع المعكوس اليوم يجعل الأفراد يسعون خلف الرغبات الزائفة قبل تأمين الأساسيات.
وتشدّد عطية على أنّ الأخطر أنّ هذا الاستهلاك العشوائي لا يستنزف المال فقط، بل يُبدّد الطاقة النفسية والروحية، ويُحدث تشويشًا داخليًا يُفقد الإنسان توازنه، بحسب مفاهيم علم الطاقة الحيوية، حيث يُقال إنّ ما ندخله إلى حياتنا يحمل تردّدًا يؤثّر فينا سلبًا أو إيجابًا.
وفي ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، يشرح الخوري أن هذه الظواهر تنزلق إلى خلق فجوات خطيرة في أولويّات الأسر، فتتراجع الضروريات أمام الإنفاق الانفعالي. محذرًا "هنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يصبح الاستهلاك وسيلة تخدير جماعي، تتآكل القدرة على التماسك الاجتماعي، ويُعاد تعريف السعادة ضمن حدود السوق لا ضمن دوائر المعنى".
وانطلاقًا من مقاربته يطرح الخوري لتفكيك هذه الحلقة "لا بدّ من بناء مناعة نقدية عبر سياسات تعليمية واقتصادية تحفّز الوعي المالي وتعيد الاعتبار للاستهلاك العقلاني. كما يمكن تفعيل بدائل مجتمعية قائمة على تقاسم الموارد والمعنى، عوض التنافس الرمزي داخل اقتصاد مأزوم لا يحتمل المزيد من اللهاث خلف الوهم".
وتنسجم عطية مع الخوري لجهة أنّ الخطير في الموضوع هو أن الفرد اللبناني أصبح بلا مناعة فكرية أو نفسية، خصوصًا في غياب التربية الواعية والتعليم النقدي والإعلام المسؤول. فبات يشعر بالنقص إذا لم يمتلك ما يملكه الآخرون، ويقيس قيمته بما يستهلك، طارحة مجموعة من الحلول تبدأ من المنزل والمدرسة والإعلام من خلال:
1- تخصيص حصّة أسبوعية في المدارس لمناقشة مفاهيم الاستهلاك الزائف والترندات وتأثيرها.
2- على الأهل تربية أولادهم على القيم، لا على ما يفرضه المجتمع. ويجب أن نُعلّم أبناءنا التفرقة بين ما يحتاجونه حقًا (what you need) وما يرغبون به فقط (what you want).
3- الإعلام بدوره يجب أن يُطلق برامج توعوية للأسرة والأطفال بإشراف مختصين.
وتختم عطية بأن المشكلة ليست في القدرة المادية، بل في الوعي والقيمة. حتى في الوفرة علينا أن نسأل أنفسنا دائمًا: هل ما أدخله إلى حياتي يضيف لها معنى؟ أم هو مجرد تقليد لما لا أحتاجه؟