في روتين إفراط الموفد الأميركي توم برّاك في "زلاّته وتمايل اتساقه"، ما كاد أن أنهى مؤتمره الصحافي في قصر بعبدا، حتى دوّى الاستياء من عبارته التي وصف فيها تداخل الأسئلة عليه بـ"الوضع الحيواني". عبارة من الصعب أن تصبّ في جوهرها ضمن خانة العفوية، بل تُشكّل خرقًا فاضحًا للياقات الدبلوماسية ولأبسط أعراف التعامل مع الصحافة وترقى إلى إساءة دبلوماسية تتطلّب تصويبًا علنيًا. المبعوث ليس موفداً بالمعنى المتوقّع، ولا تصريحاته التي يُطلقها على عواهنا مألوفة، وفي كلّ تجاوز يبني متاهات من المسؤوليات فيضحى الكل مذنبًا والجميع بريئًا والحق ينساب بعد ذلك من بين أنامل اللبنانيين الصابرين في خط السيادة المُدجّج بـ"هفوات صاحبنا" عسى نول المساواة مع أعدالهم من شعب السلاح المختار.
رذاذ موج ما قاله براك بلّل القضية بالفعل، لكنه لم يقضِ البتّة على جوهر حاجة لبنان إلى موفد دولي يلتزم الحرص على ترجمة مطالب غالبية اللبنانيين. وفي صدى ذلك يجدر التأكيد أنه، عملاً بالقانون الدولي والأعراف المرعية، يُتوقّع من أي مبعوث دبلوماسي إظهار أقصى درجات الانضباط اللفظي، لأن كلماته لا تعبّر عن شخصه فحسب بل عن الدولة التي أوفدته. وما صدر عن برّاك ينطوي على تجاوز لافت للمنظومة القيمية وحدود اللياقة وجدير بالتوقف عند ما يحمل من تعالٍ في تفاصيله.
الصمت المُنمّق الذي رافق هذه العبارة في القاعة لا يُلغي خطورتها، بل على النقيض من ذلك استدعى موقفًا صريحًا من نقابتي الصحافة والمحررين ومن الجسم الإعلامي ككلّ، وتجلّى برفض صريح لأي وصاية لفظية كانت أو بروتوكولية، وبالتأكيد على أن حرية السؤال وكرامة الصحافي ليست موضع تفاوض حتى مع أرفع الموفدين وأقربهم إلى الخط السياسي العام. القضية ليست إعلامية فحسب، بل سيادية بامتياز، ويُفترض أن يُعامَل أي خروج عن الأعراف بما يستحقه من جديّة ومسؤولية.
ولعلّ كل ما جرى يسلّط الضوء على ضرورة أن يعمد المولجون بتنظيم المؤتمرات الرسمية في القصر الجمهوري إلى اعتماد معايير أكثر فاعلية في إدارة التفاعل بين الموفدين والإعلام. فالتجربة مع المبعوث براك أثبتت أنّ غياب إطار تنظيمي محكم يفتح الباب أمام الانزلاقات اللفظية ويعرّض صورة الدولة للاهتزاز من حيث لا يلزم ولا يليق. ومن الطبيعي أن يكون القصر، بما يمثّله من رمزية سيادية، النموذج الأرقى في فرض النظام وتكريس احترام الصحافي والضيف في آن معًا. ولا مجال للشك في أن تطوير بروتوكولٍ يضمن التوازن بين حقّ الإعلام في السؤال وواجب الموفد في الإجابة، يُشكّل الضمانة الأصدق لصون هيبة الدولة وصورة لبنان كمنبر حرّ.
على ألا ننسى الارتجال العددي وفتوى براك لتعداد الشيعة في لبنان بنسبة 40% تتّسع لتشمل سوريالية مُضحكة!... وما في شرعنة الخطاب العددي الذي يضرب فلسفة الكيان اللبناني القائم على التوازن والشراكة إلا غرابة وضرب في صُدقية أي خطاب يأتي بعد ذلك.
أما توظيف "الإفتاء بالنِّسَب" كأداة سياسية لإعادة رسم موازين القوى الطائفية، ليس سوى خرق ديبلوماسي جديد واستهتار بتاريخ لبنان وصيغته. ويكاد الأمر يفرض، في مفارقة المُزاح المرّ، أن نطبع كاتالوغًا يذكّر كل مبعوث بأنّ لبنان ليس مسرحًا للتلاعب بالهويّات والأحجام بهذه الخفّة الفجّة.
وفي مجاعة المعنى، قد لا يكون من باب المصادفة أن يلتقط "حزب الله" هذه السقطة ليحوّلها مادة في ماكينته الإعلامية، لما في التلميح منح لـ"هفوات برّاك" بعدًا أكبر من حجمها، وتحويلها ذريعة لإعادة تظهير إيران بوصفها الشريك الأكثر احترامًا لـ"خصوصية لبنان". في حين أنّ التجربة اللبنانية مع احتلال طهران وأذرعها أثبتت أنّ الكلام المنمّق لا يحجب وقائع السلاح والهيمنة وتعطيل المؤسسات. فالذي يضع السيف على الطاولة لا يحتاج إلى أن يرفع صوته ومصطلحاته الفذّة في مؤتمر صحافي.
من هنا، تبدو الخلاصة مُرّة وساخرة في آن: برّاك أهان الصحافة اللبنانية بلسانه، ولاريجاني أو سفير بلاده للبنان يهينونها بالـ"بايجر". الأول يوزّع "إحصاءات سوريالية" عن نسب الطوائف، والثاني يوزّع السلاح والصواريخ والمربّعات الأمنية وغطاء الفساد والكبتاغون. والنتيجة واحدة... الإعلام اللبناني، الذي يُفترض أن يكون مرآةً للناس، يجد نفسه محاصرًا بين دبلوماسية فظة وأخرى متذاكية.
كسر هذه الثنائية المزيّفة التي يحاول "حزب الله" فرضها واجب وطني، لا اللبناني يستسيغ إيران ولا طموحه غربي الطابع. الحقيقة أنّ لبنان لا يحتاج لا إلى راعٍ يوزّع عليه الإحصاءات، ولا إلى وصيّ يغدق عليه بالصواريخ. لبنان يحتاج فقط إلى أن يكون دولة، لا أن يُبسط كملفّ في بازار النفوذ الاستراتيجي.