مروان الشدياق

ليلة فيلوكاليّة رحبانيّة لا تُنسى في زوق مكايل

3 دقائق للقراءة

لم تكن أمسية الثلثاء عند «المدرّج الروماني» بزوق مكايل مجرّد حفل فنّي عابر، بل كانت محطّة استثنائية أعادت إلى الأذهان أصالة المدرسة الرحبانيّة التي طبعت وجدان لبنان والعالم العربي. فتحت عنوان «في حضرة عاصي ومنصور… وزياد…» أحيت جوقة «جمعيّة فيلوكاليّا» بقيادة الأخت مارانا سعد، أمسية حملت الجمهور إلى رحلة بين الإبداع والتراث والحنين، في تحيّة جامعة لثلاث قمم فنّية شكّلت مدرسة موسيقيّة لبنانية متكاملة.


ما يقرب من 80 صوتًَا في الجوقة وأكثر من 35 موسيقيًّا وتقنيًّا شكّلوا نسيج هذه الأمسية، التي افتُتحت بترتيلة "كيرياليسون" مع دخول حَمَلة الشموع، فتحوّل "المدرّج الروماني" إلى ساحة خشوع روحيّ وفنيّ في آن. وتواصلت التحيّة المباشرة لزياد الرحباني بثلاثة من إبداعاته، قبل أن تتوالى خمس لوحات فنية كبرى تنوّعت بين الأغنية التراثية والمسرحية والدبكة الشعبية. وقد أضفت مشاركة أربع فرق دبكة شبابية على العرض روحًا متجدّدة أعادت الحضور إلى ساحات الفرح اللبنانية الأصيلة.



أصوات وحضور مميّز

إلى جانب الجوقة، ترك الفنانان رفقا فارس وجيلبير الرحباني لمسات خاصة بأدائهما الذي لاقى تفاعلًا كبيرًا من الجمهور. وكان لافتًا الحضور المميّز للممثّل القدير جهاد الأطرش، الذي قدّم بصوته العميق مداخلات مؤثّرة بين اللوحات الغنائيّة، رافقتها مشاهد تمثيلية صغيرة أضفت طابعًا دراميًّا على الأمسية.



حضور جامع ورسائل

مدرّجات زوق مكايل امتلأت بالجمهور الذي تقاطر من مختلف المناطق اللبنانية، فكان مشهدًا جامعًا للبنانيّين من مختلف الانتماءات والتوجّهات، تحت راية لبنان والهوية الرحبانية. وتميّز الحفل بحضور شخصيات سياسية، روحية، عسكرية، بلدية، واجتماعية، ما أضفى عليه بُعدًا وطنيًا جامعًا. في وقت تعذّر على كثيرين الوصول إلى مكان الاحتفال في الوقت المحدّد ومنهم من عاد أدراجه، بسبب زحمة السير والشوارع التي ضاقت نتيجة السيارات المركونة عند طرفَيها، ذلك أنّ الدعوة إلى الحفل كانت عامّة إلى مكان لا يتّسع لمثل هذه الأعداد الكبيرة من الحضور. أمر ينبغي على الجهات المنظّمة التنبّه إليه عند الإعداد لحفلات شبيهة مستقبلًا.


في الكلمات الافتتاحية، أكّد رئيس بلدية زوق مكايل ورئيس اتحاد بلديات كسروان الفتوح إيلي البعينو أنّ "الرحابنة كانوا الوطن حين غاب الوطن"، معتبرًا هذا اللقاء "وقفة وفاء لذاكرةٍ لا تموت". أمّا رئيس "التجمّع الوطني للثقافة والبيئة والتراث" أنطوان أبو جودة فدعا إلى إدخال التراث الرحباني ضمن المناهج الرسمية لحماية الشخصية اللبنانية الأصيلة وإحياء القيم الوطنية في وجدان الأجيال.



كلمة وفاء وختام مؤثّر

وفي الكلمة الختامية، شدّدت الأخت مارانا سعد على أنّ الحفل ليس تحيّة فحسب، بل "ولادة مستمرّة"، مؤكّدةً أنّ "جيل فيلوكاليّا لا يردّد فقط، بل يُكمل الرسالة"، متعهّدةً بأن تبقى الجوقة وفيّة للنهج الرحباني الذي حوّل الفنّ إلى هويّة والوطن إلى أغنية خالدة.


واختُتمت الأمسية بلوحة فنّيّة مهيبة مع أغنية "لمعت أبواق الثورة" من مسرحية "صيف 840" لمنصور الرحباني، رافقتها دبكة "فرقة الأصايل" التي أشعلت المدرّج حماسةً وتصفيقًا، لتُعيد أمسية "فيلوكاليّا" في زوق مكايل التذكير أنّ اللبنانيّين، رغم الأزمات، لا يزالون قادرين على الاجتماع حول الجمال والإبداع، وأنّ المدرسة الرحبانيّة ليست ماضيًا يُستذكر، بل حاضرًا يُعاش ومستقبلًا يُورَّث.