تشهد بيروت في هذه الأيام حراكاً دبلوماسياً أميركياً مكثّفاً، يُذكّر بزيارة وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس إلى بيروت عام 1957، التي مهّدت حينها لولادة "ميثاق أيزنهاور". لكن المشهد اليوم يبدو أكثر صخباً ووضوحاً: لعبة من الابتسامات المُصوَّرة، وتهديدات مقنّعة، وأموال تُضَخّ كإغراءات سياسية. لقد تحوّل لبنان، وكأنه سوق تُعرَض فيه البضائع الاستراتيجية، وتُحدَّد فيه الأسعار وفقاً لميزان الابتسامة والعصا والدولار.
يُطل الأميركيون على الساحة اللبنانية بوجهين متناقضين:
1- مورغان أورتاغوس، بابتسامتها الساحرة وأناقتها المدروسة، وشعرها المصفّف على الطريقة اللبنانية، وكأنها تقول للبنانيين: "نحن هنا من أجل مستقبل واعد". خطابها الناعم يغازل الحاضر ويَعِد بمستقبل مشرق.
2- توم براك، بوجهه المرهق ولسانه اللاذع، يشبه معلّماً قادماً من تحت سنديانة قديمة، يلوّح بعصا طويلة، يجلد بالكلمات ولا يُساير. رسالته واضحة: "إما الانضباط أو العقاب".
هذا التناقض ليس بجديد، بل هو جوهر السياسة الأميركية منذ عقود: مزيج من الإغراء الناعم والضغط القاسي، بين ابتسامة تُغري وعصا تُوجِع.
على الضفة المقابلة، يظهر علي لاريجاني كحائك السجاد الإيراني الآتي من زمن "كسرى انو شروان" وإمبراطوريات الفرس، محمّلاً بوعود "المليار دولار" لإعادة إعمار الضاحية. إنه المال السياسي - الأمني الذي يكرّس النفوذ بديلاً عن لغة الدبلوماسية. معادلة طهران بسيطة: الدولار مقابل الولاء، والإعمار مقابل التبعية.
التاريخ اللبناني مع واشنطن لا يدعو للاطمئنان؛ لأنه مليء بمحطات مفصلية حاسمة قائمة على مقولة "صداقتهم مخيفة وعداوتهم مميتة" التي ترسخت في الذاكرة الجماعية اللبنانية:
1958: نزل المارينز إلى شواطئ بيروت لدعم الرئيس كميل شمعون في وجه المدّ الناصري، في أول تدخل عسكري مباشر يثبت أن لبنان ساحة لاختبار الإرادة الأميركية في الشرق الأوسط. لكنهم عقدوا صفقاتهم ورحلوا بعد سقوط النظام في العراق.
1975: قدّم مبعوث وزير الخارجية الأميركي "كيسنجر" خلال حرب السنتين، السفير "دين براون"، عرضاً للرئيس سليمان فرنجية بضرورة ترحيل المسيحيين من لبنان وإسكان الفلسطينيين مكانهم، كحلّ للحرب اللبنانية. لكن رفض الجبهة اللبنانية بقيادة رئيس الجمهورية زاد من ويلات الحرب، لكنه أسقط مشروع الوطن البديل.
1982: عاد المارينز بقرار من الرئيس رونالد ريغان للإشراف على انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، لكن رفض رئيس الجمهورية أمين الجميل توقيع اتفاق ١٧ ايار وتصدّع نظام حافظ الأسد نتيجة محاولة الإخوان المسلمين قلب النظام دفع الأميركيين إلى إعادة تقييم وجودهم في لبنان، الذي انتهى بتفجير مقر المارينز في بيروت من قِبَل المجموعات التي أسّست لاحقاً حزب الله.
1990: غطاء أميركي - دولي لعملية إنهاء الحرب اللبنانية والقضاء على حلفاء صدام حسين بالقوة العسكرية السورية، فكانت نهاية الحرب الأهلية وبداية الوصاية السورية برعاية ضمنية من واشنطن.
2005: بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، دعمت واشنطن "ثورة الأرز" وانسحاب الجيش السوري، لكنها سرعان ما تركت اللبنانيين في منتصف الطريق، أسرى لعبة معقّدة أعادت إنتاج الانقسام.
اليوم، تتجسد هذه الذاكرة التاريخية في صور معاصرة: ابتسامة مورغان، عصا توم، ودولار لاريجاني. لكن الفرق أنّ لبنان لم يعد مجرد ساحة صراع بين محورين عالميين، بل تحوّل إلى حلبة تتداخل فيها القوى الخارجية مع الانقسام الداخلي العميق.
يبقى السؤال: هل يكتفي اللبنانيون بأن يبقوا متلقّين بين ابتسامة وإغراء، وعصا وتهديد، ووعود مالية مرتبطة بالوصاية؟ أم يبتكرون طريقاً ثالثاً يعيد لهم القرار والسيادة؟ هل سيستفيدون من اللحظة الحالية لتحرير بلادهم من الاحتلالات والوصايات، ويؤسّسون لعقد اجتماعي صلب يبني دولة الازدهار والتطور؟ هل إعتاد أغلبية اللبنانيين على تضييع الفرص وانتظار الحلول المعلّبة من الخارج من أجل مصالح آنيّة وحجج واهية؟
الإجابة لن تأتي سريعاً، لكن المؤكّد أن الفصل الجديد من قصة لبنان سيُكتب إمّا بابتسامة أميركية، أو عصا أميركية، أو دولار إيراني. إلا إذا استعاد اللبنانيون قلمهم ليكتبوا تاريخهم بأيديهم.