في الآونة الأخيرة، تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي حملة يقودها شباب وناشطون محسوبون على "البيئة الحاضنة" لحزب الله، يعلنون فيها صراحة أن بقاءهم مرتبط ببقاء سلاح الحزب، وأن زواله يعني نهاية وجودهم الجماعي.
هذه ليست مجرد شعارات عاطفية، بل هي حالة نفسية جماعية تكشف عن تحول خطير: فالسلاح لم يعد مجرد أداة للمقاومة، بل أصبح "صنمًا مقدسًا" تُبذل من أجله الأرواح، وتُقايَض به الهوية، حتى لو كان الثمن هو احتراق الوطن بأكمله كما بَشَّرَنا الشيخ نعيم قاسم.
في التسعينيات من القرن الماضي، كان سلاح حزب الله في نظر شريحة من اللبنانيين رصيدًا وطنيًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. لكن هذا السلاح سرعان ما انتقل من كونه أداة إلى رمز، ومن وسيلة عسكرية إلى عقيدة شبه دينية.
هذا التحول كرّسه السيد حسن نصرالله حين قال: "سلاحنا من قدس أقداسنا"، وفي مناسبة أخرى: "سلاح المقاومة هو كهوائنا الذي نتنفسه". وقد تبنى المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان هذا الخطاب مؤخرًا من خلال رده على البطريرك الماروني حين قال: "سلاح حزب الله وحركة أمل هو سلاح الله".
هذا الخطاب رفع السلاح من خيار استراتيجي إلى جوهر مقدس تتوقف عليه الحياة. فمشهد الشباب الذين يربطون مصيرهم ببقاء البندقية يذكّر بصورة الشعوب البدائية القديمة التي كانت ترى في سقوط أصنامها، الحجرية أو الخشبية، نهاية لوجودها.
فالسلاح الذي صورته دعاية حزب الله على أنه "درع الوطن" القوي، أصبح اليوم بحاجة إلى دروع تحميه في الميدان، وفي الإعلام، وفي وعي الناس.
لقد اختُزل لبنان في بندقية، وتحوّلت الدولة ومؤسساتها إلى مجرد ضحية لتهميش ممنهج. كانت النتيجة عزلة سياسية واقتصادية خانقة، وتحولت أرض الوطن إلى مجرد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
إن ما يشهده لبنان اليوم ليس حالة استثنائية. ففي التاريخ الحديث، واجهت حركات تحرر ثورية نفس المعضلة. يذكّرنا بذلك تحذير مبكر أطلقه القائد الفلسطيني صلاح خلف "أبو إياد" بعد عملية "كمال عدوان" التي قادتها "دلال المغربي" عام 1978، حين قال: "عشق البندقية قتل القضية، وقدم للعدو أجمل هدية". هذه المقولة تعبر بشكل عميق عن واقعنا المرير: حين تتحول البندقية إلى صنم، تنقلب من وسيلة للتحرر إلى عبودية قاتلة للقضية والوطن والشعب معًا.
في التجربة اللبنانية، بعد اتفاق الطائف، سلّمت القوات اللبنانية سلاحها طوعًا من أجل بناء دولة قوية. صحيح أن المؤامرة السورية الخبيثة استفادت من ظروف دولية معينة، خاصة حرب الخليج وحاجة الأمريكي لغطاء عربي، وحاولت مع عملائها إلغاء المقاومة اللبنانية، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا، لأنه "لا يصح إلا الصحيح". وما فعلته سلطة الوصاية السورية بحق القوات اللبنانية تحول إلى جريمة بحق لبنان، وساهم في تأخير مشروع قيام دولة قوية. وبالرغم من كل شيء، تُعتبر القوات اليوم أقوى حزب على الساحة اللبنانية.
أما عالميًا، فقد اختبرت شعوب أخرى وهم "الانتحار الجماعي" عند الحديث عن التخلي عن السلاح، لتكتشف أن القوة الحقيقية لا تكمن في البندقية، بل في الدولة. ومن أهم الأمثلة نذكر:
1- الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA): كان يعتبر التخلي عن السلاح خيانة للهوية، لكن اتفاق "الجمعة العظيمة" عام 1998 أتاح تسليم السلاح مقابل الاندماج في العملية السياسية. لم تَمُت القضية، بل استمرت عبر المؤسسات الديمقراطية.
2- القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك - FARC): ظنت أن تسليم السلاح يعني نهاية مشروعها، لكن اتفاق 2016 قاد إلى تحولها من حركة مسلحة إلى حزب سياسي ينافس عبر المؤسسات.
3- المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC): كان جناحه العسكري مقتنعًا بأن ترك الكفاح المسلح خيانة، لكن خيار نيلسون مانديلا بالتفاوض والعمل السياسي أسقط نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) وأسس لدولة أقوى.
على النقيض من هذه النماذج، رفضت الميليشيات في العراق التخلي عن السلاح بحجة أنه "انتحار للطائفة". كانت النتيجة إضعاف الدولة، وتفكيك المجتمع، وإغراق البلاد في صراع أهلي وفوضى دائمة. هذه الأمثلة تُظهر أن وهم "الانتحار" بالتخلي عن السلاح ليس قدرًا محتومًا، بل هو خيار يحدد مستقبل الوطن.
إن أخطر ما في ظاهرة "صنم السلاح" هو أنها تعيد إنتاج ذهنية عبادة الأوثان. فبدلاً من أن يقدس المواطن الوطن ككيان جامع يوفر الاستقرار والكرامة، يقدس السلاح كغاية في حد ذاته. هذا "الصنم" يستنزف طاقة الشباب وإيمانهم وانتماءهم، ويجعلهم في خدمة مشروع يتجاوز حدود الدولة ويغرق في حسابات المحاور الخارجية.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للمعادلة الصحيحة: القوة الحقيقية لأي مجتمع لا تنبع من تقديس بندقية، بل من بناء دولة قوية تحتكر استخدام السلاح وتوفر لمواطنيها شعورًا بالانتماء والثقة. هذه الفكرة اليوم قابلة للتطبيق أكثر من أي يوم مضى، أولًا لأن السلاح أثبت فشله في الميدان، وثانيًا بوجود رئيس جمهورية يثق به حزب الله ويعتبره صديقًا له، وقد عبّر عن ذلك بالمساعدة في إيصاله لسدة الرئاسة.
حين يستعيد جميع اللبنانيين إيمانهم بأن قوتهم في دولتهم، لا في صنم يثقل كاهلهم ويعزلهم عن العالم، عندها يمكن أن يبدأ التحرر الحقيقي: التحرر من وهم "السلاح المقدس" نحو إيمان جديد بالدولة كوطن نهائي لجميع أبنائها.
السؤال اليوم لم يعد نظريًا، بل وجوديًا ومصيريًا: هل نحن مستعدون لعبور هذه العتبة التاريخية؟ هل نجرؤ على كسر الأصنام الفكرية والسياسية التي كبّلت لبنان لعقود، لنصوغ عقدًا اجتماعيًا جديدًا يؤسّس لوطنٍ سيّدٍ حر، يعيش فيه أبناؤه ليبنوا مستقبل أبنائهم، لا ليُدفَنوا في سبيل سلاحٍ غير شرعي، مستوردٍ من إيران، يخدم أجنداتٍ غريبة ومشبوهة؟
إن مستقبل لبنان لن يُبنى على قداسة البندقية، بل على قداسة الانتماء للوطن. وبدون هذه القناعة، سيبقى الوطن عالقًا بين الوهم والحقيقة، عاجزًا عن أن يكون وطنًا حرًا ومستقلًا بحق.