منذ أن إنتخب الرئيس جوزاف عون وهو يشكّل للبنانيين في الوطن والخارج جرعة أمل وإنقاذ من الموت
أملٌ بأن يقوم لبنان من تحت الركام، لا لأن الرجل هو الرئيس المنتظر، بل لأن الكثيرين يعولون عليه انه هو وحده فقط الفرصة الآخيرة لهم، قبل أن يتحوّل الوطن إلى جثة حية تُلفظ أنفاسها الأخيرة على خارطة العالم.
فمنذ لحظة انتخابه، عُلّقت الآمال على قيام الدولة الحقيقية، دولة قادرة على بناء مؤسسات عادلة وشفافة ومحاسبة الفاسدين وكل من سرق ونهب خيرات الوطن والذين تخطت ثرواتهم 800 مليار دولار في البنوك الأجنبية على حسب ما جاء في صحيفتي واشنطن بوست و وول ستريت جورنال، هذه المطالب ليست جديدة، لكنها اليوم تستند إلى شخصية عسكرية سياسية قادرة على فرض هيبة الدولة وهنا تكمن الخطورة: فإما أن ينجح، أو يطوي معه اللبنانيون آخر أوراق الرهان.
فخطاب القسم عادة ما يشكّل خارطة طريق لأي رئيس، لكن في لبنان الأزمة عميقة ، الفساد ينهش جسد الدولة، والشبكات الطائفية والسياسية تقف بالمرصاد لأي محاولة إصلاح. المطلوب أن يضرب الرئيس بيدٍ من حديد، بدءًا من القضاء والإدارة والأجهزة الأمنية، مع العلم انه ظهر بعض الظلم في التشكيلات الأخيرة بحق بعض القضاة والضباط، لكن الكل تغاضى، وكأن المصلحة العامة لا تُبنى إلا على أنقاض الأفراد.
أما الاقتصاد، فهو التحدي الأخطر، فالقطاع المصرفي يعيش على أنقاض ثقة منهارة، والمودعون اللبنانيون والأجانب على حد سواء يشعرون بأنهم خُدعوا بسياسات مالية قاتلة. إصلاح هذا القطاع، وقف الهدر، وجذب الاستثمارات باتت مهام ملحّة لا تحتمل الترف أو المساومات.
ورغم بعض الخطوات الخجولة من ترميم العلاقات الخارجية، وتعزيز دور الجيش، ومحاولات إصلاحية متفرقة، إلا أن اللبنانيين ما زالوا يترقبون قرارات جذرية صادمة، ويقولون للرئيس صراحة: لا تقيّدك الاتفاقيات التي كبّلت لبنان، فأنت اليوم تملك السلطة بدعم شعبي، وبرضى أميركي، وبغطاء سعودي.
أما بالنسبة لحديث الساعة سلاح حزب الله والعلاقة مع إيران لا يمكن الحديث عن مستقبل لبنان من دون مواجهة العقدة الكبرى وهو السلاح هذا الملف هو الأكثر حساسية داخليًا وخارجيًا، فالنفوذ الإيراني عبر الحزب يظل حجر الأساس في أي معادلة لبنانية وزيارة علي لاريجاني الأخيرة إلى بيروت أكدت أن طهران لا تغيب عن لحظات التحوّل، بل بعثت برسائل واضحة وصريحة وهي:
-استمرار دعم حزب الله كجزء من استراتيجيتها الإقليمية
-فرض نفسها كلاعب أساسي في أي تفاوض على سلاح الحزب
-تكريس صورتها "كداعم" بدلا من "مهيمن" أمام الدولة اللبنانية
لكن الحقيقة أن هذه العلاقة الملتبسة تجعل لبنان عالقًا في التجاذبات الإقليمية: إيران ترى نفسها حامي المقاومة، فيما يراها الغرب والخليج تهديدًا مباشرًا لاستقرار لبنان. أما اللبنانيون فيريدون دولة بلا دويلة، وجيشًا بلا سلاح خارج سلطته.
وهنا يكمن المفصل: فإذا وُضع السلاح تحت سلطة الدولة، فإن لبنان سيشهد انفجارًا استثماريًا غير مسبوق، بعودة الأموال العربية والغربية، وانطلاق مشاريع بنى تحتية، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي. لكن في المقابل، الحزب يربط سلاحه بموازين القوى مع إسرائيل، ما يجعل الأمر أكبر من قرار داخلي.
واذا تحدثنا عن العلاقة مع سوريا فهي لا تقل تعقيدًا، فلبنان يحتاج لدمشق كمنفذ بري نحو الخليج، ويواجه أزمة النازحين السوريين كعبء داخلي ثقيل والمستقبل قد يحمل تفاهمات اقتصادية محدودة ترانزيت وطاقة، وضبطًا للحدود، وتسويات إنسانية حول ملف السجناء، وكما قالها الرئيس الشرع ان لم يستفد لبنان من قيام سوريا فهو سيخسر الكثير.
أما عن إسرائيل، فالسؤال الأكثر إيلامًا: هل يسير لبنان نحو التطبيع؟
رسميًا، الدستور واتفاق الطائف وميثاق الجامعة العربية يمنعون ذلك قبل حل قضية فلسطين. عمليًا، لبنان وقّع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل بوساطة أميركية، في خطوة فُسرت كمدخل لتطبيع غير مباشر والضغوط الإقليمية كبيرة، لكن التوازنات الداخلية تجعل أي خطوة علنية شبه مستحيلة في المدى القريب.
في النهاية الرئيس جوزاف عون هو في موقف لا يحسد عليه أبداً، فهو يقف أمام مفترق طرق خطير، إما أن يقود لبنان إلى دولة فعلية بمؤسسات قوية، أو يتركه غارقًا في الانقسامات والفساد، واللبنانيون ينتظرون، والعالم يترقب، ومفتاح الفرج يبقى في حسم الملفات الساخنة: سلاح حزب الله، العلاقة مع سوريا، والإصلاح الداخلي.
لكن الحقيقة أن الوقت يداهمنا وإذا لم يجرؤ الرئيس على اتخاذ خطوات جذرية، فلن يرحمه التاريخ، فإما أن يُسجَّل اسمه كقائد أنقذ وطنًا من الموت، أو يُكتب كآخر رئيس على دولة لفظت أنفاسها الأخيرة.
فهل يملك الرئيس الشجاعة ليُخرج لبنان من القبر، أم سيبقى مجرّد شاهد على جنازة وطن؟