الشيعة ليسوا أزمة لبنان... بل من روافع نهضته
الطائفة الشيعية في لبنان ليست عبئًا على الدولة، بل من مكوّناتها الأساسية. هي ليست "أزمة" كما تُصوّر أحيانًا في الخطابات الإعلامية والسياسية، لكنها أيضًا ليست خارج الأزمة العامة التي يعيشها لبنان. حضورها الراهن في النظام السياسي لا يجب أن يُقاس فقط بموقع القوة أو التأثير، بل بقدرتها على ترسيخ التزامها بالشراكة الوطنية، والارتقاء فوق الاصطفافات الظرفية، لتكون من جديد قوة جامعة في مشروع الدولة.
أولًا: من التهميش إلى التأسيس... الشيعة شركاء لا طارئون
منذ تأسيس لبنان الكبير، كانت الطائفة الشيعية جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني. صحيح أنها مرّت بفترات من التهميش السياسي والاجتماعي، لكنها بقيت حاضرة في هوية البلاد، عبر شخصياتها الفكرية، وعلمائها، ومثقفيها. اليوم، وبعد أن أصبح لها موقع متقدّم في بنية الدولة، لم تعُد مطالَبة برفع لواء المظلومية، بل بممارسة دورها التاريخي في حماية الدولة وتحصينها، لا الانكفاء عنها أو تجاوزها.
ثانيًا: الشيعة في التاريخ اللبناني... حضورٌ علمي وثقافي ونهضوي
الطائفة الشيعية ساهمت في نهضة لبنان العلمية والثقافية منذ ما قبل الاستقلال. خرج من بيئاتها مفكرون، أدباء، علماء، قضاة، وأساتذة جامعيون، شاركوا في بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
من جبل عامل إلى البقاع، ومن بيروت إلى بعلبك، وُلدت شخصيات لامعة أغنت الفكر اللبناني والعربي، وأسهمت في حركة النهوض والتنوير. كان للشيعة دور محوري في التعليم، ونشر المعرفة، وتأسيس الجمعيات، والمشاركة في النقابات، وفي الإعلام والصحافة. وهي الطائفة التي أنجبت العالِم والمخترع حسن كامل الصباح، والفيزيائي رمال حسن رمال، كما كان لها حضورٌ بارز في الميادين الفكرية والحقوقية والتربوية.
ثالثًا: التعددية داخل الطائفة... قوة لا تهديد
الطائفة الشيعية ليست جسمًا موحّدًا سياسيًا أو فكريًا. بل هي غنية بتنوّعها، وفيها تيارات مدنية، وأحزاب غير طائفية، ونخب مستقلة، وحراك شبابي واعٍ. هذا التنوّع هو مصدر غنى، لا ضعف. والمطلوب اليوم، بدلاً من احتكار الصوت الشيعي ضمن تمثيل واحد، هو إفساح المجال أمام هذا التنوّع ليأخذ مكانه الطبيعي في الحياة العامة، وأن يعود القرار الشيعي الوطني إلى ساحات الحوار لا الاصطفاف.
رابعًا: الانتماء الوطني... هوية راسخة لا خيار ظرفي
الانتماء الوطني ليس تفصيلًا سياسيًا، بل هو جوهر الوجود الجماعي في دولة مثل لبنان. والطائفة الشيعية، بتاريخها وتضحياتها، لم تكن يومًا طائفة هامشية تبحث عن موقعها خارج الدولة، بل كانت دائمًا جزءًا من قلبها، وشاركت في صوغ هويتها وتحصين مؤسساتها. الانتماء للبنان لا يعني الذوبان في سلطة، ولا الانصهار في موازين طائفية، بل يعني الالتزام بفكرة الدولة، وبمفهوم المواطن المتساوي، وبالعيش المشترك كمبدأ لا كهدنة. هذا الانتماء ميّز عقلاء الطائفة ورجالاتها الكبار الذين ربطوا ولاءهم بالوطن، وسعوا إلى تكريس الدولة لا تقويضها.
خامسًا: الشراكة لا تُقاس بالعدد أو النفوذ بل بالمسؤولية
في بلد تعددي مثل لبنان، لا يمكن لأي طائفة أن تحكم وحدها أو تُقصى وحدها. الشراكة ليست مجرد تمثيل عددي، بل مسؤولية جماعية في حماية الصيغة الوطنية، وفي احترام الدستور، وفي تطوير مؤسسات الدولة لا تهميشها. حين تتحوّل الشراكة إلى وسيلة لفرض الإرادة أو تعطيل الحياة السياسية، فإنها تفقد معناها وتتحوّل إلى أداة صراع لا تعاون. والطائفة الشيعية، بما لها من حضور ووزن، مدعوة لأن تكون ركيزة للاستقرار السياسي، لا عنوانًا للاشتباك المستمر باسم "الحقوق".
سادسًا: الطائفة التي أنجبت العلماء... شريكة في بناء الدولة
لا يمكن اختزال الطائفة الشيعية في مشهد سياسي ضيّق، فهي الطائفة التي أنجبت كبار العلماء والفقهاء، ومثّلت أحد أعمدة الفكر الديني والأخلاقي في العالمين العربي والإسلامي. من المحقق الكركي، إلى الشهيدين الأول والثاني، والشيخ البهائي، إلى أعلام كثر ساهموا في بناء الوعي، وتقديم الفكر، وتطوير المنهج العلمي والديني. إن هذا الإرث المعرفي العريق يؤهلها لتكون في طليعة حركة بناء الدولة. تاريخها ليس فقط تاريخ مواجهة، بل أيضًا تاريخ إصلاح وتجديد. من منابر جبل عامل، إلى المدارس الدينية والوطنية، ومن المجلات الفكرية إلى المنابر التربوية، كانت الطائفة الشيعية صوتًا للعقل، وشريكة في التنوير اللبناني والعربي. واليوم، في زمن الأزمات، هي مدعوة لاستعادة هذا الدور، لا من موقع دفاعي، بل من موقع المبادرة.
سابعًا: فكر الإمام علي... دولة العدل لا دولة العصبيات
الطائفة الشيعية، التي تستلهم فكرها الديني والسياسي من مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، تحمل في عمق تكوينها النظري إيمانًا بالدولة العادلة، لا دولة العصبيات والامتيازات. فالإمام علي، حين ولّى مالك الأشتر على مصر، كتب له عهدًا يعدّ من أبرز الوثائق في الفكر السياسي الإسلامي، وفيه تتجلى رؤية الدولة كأداة لحفظ الكرامة، وتحقيق العدالة، وحماية الضعفاء، ومحاسبة الأقوياء.
هذا العهد، الذي أُدرج لاحقًا في مواثيق الأمم المتحدة واعتُبر وثيقة حقوقية رائدة، لا يرى الحكم امتيازًا بل تكليفًا، ويضع الحاكم خادمًا للرعية لا سيدًا عليها. ومن هنا، فإن الانتماء إلى فكر الإمام علي هو انتماء إلى مشروع الدولة، لا إلى مشاريع الطوائف أو الغلبة أو الغنائم. فكر الإمام علي ليس فكرة معزولة في التراث، بل هو قاعدة أخلاقية وسياسية حية، تبنّتها النخب الشيعية التي طالما نادت بقيام الدولة على أسس المساواة والمواطنة لا المحسوبيات، وهو ما يجعل من الطائفة الشيعية، حين تعود إلى أصولها الفكرية، قوة طبيعية في بناء دولة مدنية عادلة، لا سلطة مذهبية أو كيانًا متقوقعًا.
الانتماء لا يُقاس بالولاء، بل بالعمل من أجل الوطن
لبنان يحتاج إلى كل مكوناته. لا طائفة يمكن أن تنجو وحدها، ولا مذهب يمكن أن يربح على حساب الوطن. والطائفة الشيعية، التي دفعت أثمانًا باهظة في مسار البحث عن العدالة، مدعوة اليوم إلى التحوّل من قوة اعتراضية إلى قوة تأسيسية، تعيد تعريف دورها على قاعدة المواطنة، لا الامتياز. فالانتماء إلى الدولة هو الحصن الحقيقي، والتاريخ لا يحكم على الشعوب بما امتلكته من نفوذ، بل بما قدّمته من مساهمة لبناء أوطانها