ماري منصف

مقابلة عبر "mtv" كانت نقطة تحوّل

دانيال الهيبي من غربة الدراسة إلى العزف في الوطن

5 دقائق للقراءة
دانيال الهيبي والفلوت

حين تُفتح الأبواب الصحيحة في الوقت المناسب، يتحوّل الحلم إلى حقيقة. هكذا يصف الموسيقيّ اللبنانيّ الشاب وعازف آلة الـ "Flûte" دانيال الهيبي، رحلته التي بدأت من بيروت، مرورًا بسنوات من الدراسة والاغتراب في فرنسا، وصولًا إلى وقوفه على أعتاب حفل كبير في "كازينو لبنان" في العاشر من أيلول المقبل.


يستعيد دانيال الهيبي دَور مديرة أعماله سينتيا سركيس بيرّوس، في مساره الفنّي، هي الناشطة في مجال الأعمال وتنظيم النشاطات الاجتماعية والخيريّة والفنّية في لبنان والخارج وصديقة المشاهير. وهي رفيقة الطريق التي فتحت له أبواب الانطلاقة الكبيرة، ومنحته الدعم والرؤية اللّتَين يحتاجهما لمواصلة السعي نحو الأفضل.


لقاؤه الأول معها كان صدفة. شاهدته بيرّوس يومًا عبر قناة "mtv" خلال متابعتها البرنامج الصباحيّ "MTV Alive"، فقرّرت دعمه. شاهدته آنذاك يعزف ويغنّي، فتوقفت عند ما يقدّمه ذلك الشاب، وانجذبت إلى موهبته ورأت في صاحبها مشروعًا أكبر من مجرّد موسيقي عابر. ومن هنا بدأت الرحلة المشتركة بينهما، والتي تشبه إلى حدّ بعيد إيقاع الحياة نفسه، خطوة بخطوة، ونغمة بعد نغمة. اليوم، وبعد عشر سنوات من الاغتراب، يعود الهيبي في السابعة والعشرين من عمره، محمَّلًا بمؤلَّفات موسيقيّة يجوب بها المسارح العالميّة، وبشغف لم يخفت رغم بُعده عن وطنه الأم الذي غادره وهو في السابعة عشرة ليخوض مغامرة الدراسة والتأليف الموسيقي. يعود ليقدّم حفلًا استثنائيًا في لبنان.


بيت غنيّ بالألحان

لم تكن الموسيقى خيارًا عابرًا في حياة دانيال الهيبي، بل قدَرًا رافقه منذ الطفولة. ففي بيتٍ يتردّد فيه صوت فيروز إلى جانب ألحان أندريا بوتشيلّي، نشأ طفل اكتشف مبكّرًا أنّ العالم يتّسع لأكثر من نغمة، وأنّ التنوّع الموسيقيّ ليس ترفًا بل هوية. يروي الموسيقيّ الشاب لـ "نداء الوطن" أنّ أهله لم يكونوا موسيقيّين محترفين، "لكنّ الجوّ في البيت كان دائمًا موسيقيًا. هذا التنوع بين الشرق والغرب هو الذي صاغ شخصيّتي الفنية".


صدفة صارت قدرًا

لم يكن حلم دانيال الهيبي العزف على آلة الفلوت، فقد كان في البداية يتطلّع إلى الساكسوفون. لكنّ مقعدًا شاغرًا واحدًا في صفوف تعليم الفلوت غيّر مسار حياته، كأنها كانت رسالة مكتوبة. يضيف الهيبي: "دخلت صفّ الفلوت، وكنت كلّما تعمّقت فيه أكثر، يزداد عشقي لهذه الآلة". هكذا تحوّلت الصدفة إلى هويّة، وصارت الآلة التي يظنّها البعض "مهمّشة" بوابةً إلى عالم واسع، فيه الكلاسيك والجاز والموسيقى الشرقيّة، على حد سواء.


سنوات تعلُّم واغتراب

حمل ابن السنوات السبع عشرة حقيبته وسافر إلى فرنسا. هناك، انكبّ على دراسته الأكاديمية حتى حصل على الدكتوراه في الموسيقى. لكنّ مشروعه لم يكن بحثًا نظريًا فحسب، بل محاولة جريئة لإدخال النغم الشرقي إلى آلة الـ "Flûte traversière". ويشرح الهيبي أنّ "الفلوت أقرب الآلات إلى صوت الإنسان. أردت أن أفتح لهذه الآلة أبوابًا جديدة، وأن نسمع من خلالها موسيقى الراي والجاز، كما الموسيقى الشرقيّة والكلاسيكيّة. أردت للفلوت أن تتجاوز حدودها".


العودة والحفل

تسعة موسيقيين سيرافقون دانيال الهيبي في حفله المرتقب على مسرح "كازينو لبنان". الموسيقيّ الموهوب يعد بأن يكون حفله في لبنان تجربة فريدة سيعيشها الجمهور الحاضر: "سيكتشفون شيئًا مختلفًا خارجًا عن المألوف. الحفل متنوّع جدًّا، وكل شخص سيجد فيه ما يشبهه. أردت أن أقدّم لحظات مشتركة يخرج منها كل فرد بالرسالة التي تليق به".


وهو إلى مؤلَّفاته الخاصة، سيعيد إحياء ألحان يعرفها الجمهور، شرط أن يبقى أمينًا على نسيجها الأصلي. يؤكّد الهيبي في هذا الإطار أنّ "القوّة تكمن في التوازن بين الوفاء للمعنى وبين تقديم صورة جديدة تشبهنا. أنا لا أريد أن أضيّع روح اللحن، بل أن أعيده بروح مختلفة". وهذا الاحترام للأصل مع جرأة التجديد، هو ما يَعِد دانيال الهيبي جمهوره أنه سيسمعه ويعيشه في حفله المنتظر.


دعم الشباب

مديرة أعمال دانيال الهيبي، سينتيا سركيس بيرّوس، تشدّد من جهتها في حديثها لـ "نداء الوطن" على أهميّة الوقوف إلى جانب المواهب الشابّة وتشجيعها، معتبرةً أنّ كل من يمتلك القدرة على تقديم الدعم ينبغي ألّا يتردّد، لأن الاستثمار في الطاقات الواعدة يفتح أمامها آفاقاً واسعة ويسهم في بناء مستقبل أكثر إشراقاً.


هكذا إذًا بين طفولة في بيت لبناني تصدح الألحان بين جدرانه، واغتراب فرنسي بهدف أكاديمي، وعودة إلى خشبة لبنانية، تتجسّد حكاية الموسيقي اللبناني دانيال الهيبي الذي جعل من آلة نفخ لغته الخاصة. وفي المزيج الموسيقيّ الذي يقدّمه، يجسّد صورة عن لبنان، البلد الذي يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الوفاء للجذور والجرأة على التجديد. أما الخليط الذي يقدّمه الهيبي في معزوفاته، فيجمع بين وعي الاختيار والتطوّر الطبيعي لمساره، وبذلك تتحوّل موسيقاه إلى انعكاس لعالمه الداخلي وتجربته الخارجيّة معًا. والموعد الأقرب لاكتشاف كلّ ذلك، في العاشر من أيلول المقبل حين ستعلو نغمات الفلوت محمّلة بروح لبنانيّة صافية، ورسالة واحدة: الموسيقى لغة لا تعرف الحدود.



من حفلاته على المسرح




أكثر من مجرّد موسيقيّ عابر




دانيال الهيبي جعل من آلة نفخ لغته الخاصة




آلته بوابة إلى عالم أوسع