أمجد اسكندر

هذا السلاح الفلسطيني «إن ننسَ لن ننسى»

3 دقائق للقراءة

كحدث عابر تكاد تمر به عملية تسليم السلاح الفلسطيني، إلا أن الذاكرة السياسية تردّه إلى موضع تاريخي يليق به. و«إن ننسَ، لن ننسى». لن ننسى أن هذا السلاح، وتحت شعار تحرير فلسطين من جنوب لبنان، كان ذريعة توسلتها قوى وأحزاب لقلب النظام اللبناني. وتراوحت أفكار أخرى بين «الوطن البديل» و«وطن الساحة» للمساومة مع العرب والقوى النافذة إقليميًا ودوليًا. عملية تكاذب اشتَركَ فيها فلسطينيون ولبنانيون، وكلٌ اعتقد أنه يستعمل الثاني، حتى انتهت الحرب بسقوط الفريقين وتلاشي تأثيرهما السياسي. ولا بد من الإشارة إلى أن ممارسات نظام آل الأسد وأدواته من حركات ومنظمات لبنانية قتلت من الفلسطينيين واللبنانيين أضعاف ما قتلت إسرائيل.



ثم جاء «حزب الله» في حملة اغتيالات طاولت رموزاً شيوعية، ليستفرد بالجنوب، تلبيةً لتكليف من طهران وبموافقة حافظ الأسد. وهكذا ما بدأ انقلابًا على «المارونية السياسية»، انتهى بأفعال ندامة من منظمة التحرير وأقطاب في اليسار اللبناني. وهنا لا بد من وقفة تحية واعتزاز لقوافل الشهداء الذين تصدوا للهجمات الفلسطينية على قرى وبلدات مسيحية من الشمال إلى البقاع وإلى الجنوب. إن ننسَ فآلاف ممن هُجِّروا وتشردوا وأُحرقت بيوتهم، وكُتب على جدرانها «ثورة حتى النصر»، لم ينسوا.



ومع سقطات طارق متري التي لا تنتهي منذ دخل هذه الحكومة، لن ينسوا كيف برر في يوم من الأيام مجزرة الدامور، التي ارتكبتها فصائل فلسطينية وأسمتها «الدامور المُدَمِّرَة». ألف تحية في أيلول الشهداء لهؤلاء الذين، وبعد ستين عاماً من وجود السلاح الفلسطيني في لبنان، ترتسم على محياهم ابتسامات الرضا في عليائهم. ما يحصل من عمليات تسليم سلاح ليس مجرد تجريد مسلحين من أسلحة خفيفة ومتوسطة، بل انطواء حقبة معانيها السياسية عميقة الدلالات.



أكان فلسطينيًا أو سوريًا أو إيرانيًا، لم ينجح هذا السلاح بفائض قوته في تغيير معادلات داخلية. وما يحصل ليس مسرحية كما وصفها أحدهم، في تيار يعتاش على شعارات الغير وشهدائه. هذا التيار سيبقى غريبًا عن صميم القضايا ومعانيها، لأنه تيار الاستعارة السياسية. استعار مبادئ القضية من «القوات اللبنانية»، ومن كتيب «نحن والقضية»، واستعار الشهداء من الجيش في الثمانينات، واستمد ورمه السياسي من تغطية سلاح «حزب الله». يستعير، ثم ينقلب، تبعًا لما تمليه النفعية السياسية.



إن ننسَ لن ننسى شعار «طريق القدس تمر بجونية»، ولن ننسى أن العديد من الكوادر الأمنية لـ «حزب الله» ترعرعوا ضمن المنظمات الفلسطينية. انطوت مرحلة «الفلسطينيون جيش المسلمين في لبنان»، لينشأ تحالف موضوعي بين السلطة الفلسطينية التي ورطتها «حماس» بالويلات، والسلطة اللبنانية التي تحاول استرداد الدولة من الدويلة. ستون عاماً ليست بالفترة الوجيزة، والأضرار التي لحقت بلبنان جراء السلاح الفلسطيني يجب ألا تُنسى. العبرة أن كل سلاح غريب دخل إلى لبنان، ورغم أضراره، كان يقوّي الفكرة اللبنانية. ورغم كل الانحرافات التي توسلتها الاحتلالات، الأوفياء لفرادة لبنان كانوا دائماً يعيدون هذا الوطن إلى المسار الطبيعي للتاريخ، الذي يتقدم نحو الحق والحرية وكرامة الإنسان.