مايز عبيد

"ليلة الإحساس" في طرابلس: الفن بمواجهة التشدّد

3 دقائق للقراءة

مساء السبت 30 آب 2025، كان "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس يستعد لاستضافة حدث فنّي مميّز تحت عنوان "ليلة الإحساس"، يجمع بين الفنان اللبناني صلاح الكردي والنجم الشاب محمد فضل شاكر، في أمسية تعد بالكثير من المشاعر والإحساس.


غير أنّ الحفل أثار جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض، حيث اعتبر معارضو إقامة الحفل أن توقيته غير مناسب نظرًا لما يجري في قطاع غزّة، معتبرين أن إقامة الأمسية الفنية في ظل هذه الأحداث يشكّل تجاوزًا لمشاعر التضامن مع الفلسطينيين. وقد تبيّن أنّ "حزب التحرير" كان وراء الاعتراض الأساسي على الحفل، وهناك من ذهب إلى حدّ القول إن مجموعات محسوبة على "حزب الله" شاركت أيضًا في الرفض، انتقامًا من فضل شاكر المعروف بمواقفه المعارضة لـ "الحزب".


نتيجة لذلك، سارت تظاهرات عدة باتجاه المعرض رفضًا للحفل، ما دفع بالجيش اللبناني والجهات الأمنية إلى تعزيز وجودها لتأمين سير الفعالية وضمان سلامة الجمهور.


تجدر الإشارة إلى أنّ الفنان فضل شاكر، والد محمد، وقبل سنوات، زار طرابلس في فترة تديّنه وانخراطه مع أحمد الأسير، وقدّم وصلات إنشادية تزامنت مع أحداث "الثورة السورية"، تاركًا بصمة مرتبطة بالسياسة والدين. واليوم، يعود ابنه إلى طرابلس، لكنه هذه المرة كفنّان غنائي، حاملًا لهجة الفن بعيدًا من أجواء الدعوة السياسية التي ميّزت زيارة والده، ليجسّد تجربة جديدة للفن بعيدًا من الجدل السياسي.


يُذكر أنّ حفلًا سابقًا لمحمد فضل شاكر كان من المقرر أن يُقام قبل أيام في منتجع "لاس برلاس"، لكنه أُلغي بسبب أنّ المتعهد المسؤول عن التذاكر باع مئات التذاكر ثم اختفى، ما تسبّب بخسائر كبيرة وأدى إلى إلغاء الحفل.


"ليلة الإحساس" في طرابلس، شهدت إحساسَين متناقضَين بين الجمهور: أحدهما يمثّل إحساس بعض الإسلاميين الذين رأوا أن هذا الجوّ ليس وقته، وأنّ طرابلس ليست مدينة للرقص والفجور، مقابل إحساس آخر يرى أنّ طرابلس مدينة الفرح والسلام وهي للجميع، وأنّ الفن جزء من حقّ المدينة في التعبير عن نفسها وممارسة نشاطاتها الثقافية بحرية، وأنّ المعترضين لا يمثّلون المدينة وأهلها.

وعلى الرغم من كل الجدل والاعتراضات السابقة، جرى الحفل بنجاح ومن دون أي إشكالات، واستمتع الجمهور بأمسية موسيقية مميزة، مؤكدًا قدرة الفن على تجاوز التوترات والاحتجاجات وتحقيق التجربة الفنية التي انتظرها الجميع.


الإحساسان المتناقضان يؤشّران إلى أن طرابلس لا تزال يتجاذبها تياران: التيار الديني المتشدد الذي ظهر بقوّة منذ بداية أحداث "الثورة السورية"، والتيار العلماني غير المتشدّد دينيًا. فهل سيتعايشان رغم التناقض، أم سينتصر فكر على الآخر؟ وأي هوية ستطبع طرابلس نفسها بها في المرحلة المقبلة؟