في ذكرى الإمام موسى الصدر، أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري مواقف حاول من خلالها رسم إطار للنقاش الوطني حول سلاح حزب الله، مؤكداً أنه "منفتح" على مناقشته، ولكن "تحت سقف الدستور" و"ضمن خطاب هادئ".
لكن المتأمل في خطاب بري يدرك سريعاً أن ما طرحه ليس سوى محاولة جديدة ظاهرها هادئ وعقلاني، لكنها تخفي دهاءً عميقاً يهدف لذر الرماد في العيون والسعي لتأجيل البحث الجدي في قضية السلاح غير الشرعي، وربطه بشروط ملتبسة تُفرغه من مضمونه. فالحديث عن "سقف الدستور" لا يفترض أن السلاح خارج الشرعية أصلاً، لأن الدستور واضح في تكريس احتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم، وهو ما يتناقض كلياً مع استمرار وجود ترسانة عسكرية موازية للجيش اللبناني.
في الوقت الذي يحمِّل فيه بري إسرائيل مسؤولية الاحتلال والعدوان، يتجاهل حقيقة أن لبنان مخطوف بقرار الحرب والسلم الذي تحتكره إيران عبر حزب الله. فسلاح حزب الله الذي كان يُبرَّر بوجود الاحتلال تحوّل إلى مشروع إقليمي يتجاوز الحدود اللبنانية، من سوريا إلى اليمن والعراق، بينما يدفع لبنان ثمن مغامرات قاتلة ومدمّرة له ولا علاقة لها بحماية الجنوب أو تحرير الأرض.
بري حذر من "ضرب الميثاقية"، لكن هل السلاح غير الشرعي ميثاقي؟ عن أي ميثاقية يتحدث دولة الرئيس حين تُعطَّل الدولة ومؤسساتها، ويهدد الشيخ نعيم قاسم بحرق لبنان بحجة حماية "سلاح حزب الله"؟ وأي شراكة وطنية تُحترم فيما قرار السلم والحرب محصور بيد حزب مسلح خارج الشرعية، ويلتزم بقرار أجنبي؟ إن الميثاقية الحقيقية تعني احترام الدولة كمرجعية وحيدة، لا أن تكون رهينة لمعادلات مفروضة بقوة إرهاب السلاح.
فإذا كان رئيس المجلس قد أكد أن "من غير الجائز رمي كرة النار في ملعب الجيش"، فأين يجب أن تُرمى يا دولة الرئيس؟ ما دمتَ أكدت أن الجيش هو الحصن الحصين، فلماذا يُمنع من طرح خطة وطنية لنزع السلاح غير الشرعي؟، ولماذا يُحاصَر الجيش بضعف الإمكانات ويُعطَّل دوره الطبيعي؟ الحقيقة أن الجيش لا يُعطى الفرصة ليكون الحامي الفعلي للسيادة، لأن وجود سلاح رديف يسلبه وظيفته ويضعه في موقع التابع لا القائد.
أما رفض الرئيس بري للمقترحات الأميركية باعتبارها "بديلاً لاتفاق وقف إطلاق النار"، فهو في الواقع رفض لأي محاولة جدية دولية لفرض حلّ يضع حداً لهيمنة حزب الله العسكرية. وهذا يعكس موقفاً ثابتاً لدى بري وحلفائه: الدفاع عن بقاء السلاح مهما كانت التضحيات، ولو على حساب سيادة الدولة واستقرارها. فإذا كان دولته يملك مقترحاً آخر يُجنّب لبنان الانزلاق إلى بحيرة الحمم وتحويل الجنوب إلى غزة ثانية، فلماذا لا يبادر إلى طرحه؟
الغريب أن الرئيس بري حذر من "خطاب الكراهية"، فمن المفيد أن نسأل دولته: من يقدّم فعلياً هذا الخطاب في لبنان؟ من يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بتخوين الشركاء في الوطن واتهامهم بأبشع الأوصاف؟ من يهدّد علناً بـ"حرق البلد" إذا لم تُلبَّ شروطه؟ من يحاول ليل نهار تزوير التاريخ؟ أليس هذا هو الخطاب الذي يضرب الميثاقية ويستبيح الدستور ويمنع أي حوار وطني حقيقي؟ يكفي الرئيس بري أن يقوم بجولة بسيطة على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإخبارية المستحدثة أو يشاهد "المنار" أو يقرأ جريدة "الأخبار" ليدرك أن الحق يحرّره من سؤاله ويدلّه على وكر ثعالب الكراهية والحقد.
خطاب الرئيس بري في ذكرى الإمام الصدر جاء في ظاهره محمّلاً بالشعارات الجميلة البراقة عن الوحدة والدستور، لكنه في الجوهر لا يعدو كونه إعادة إنتاج للموقف التقليدي الذي يشرعن استمرار الدفاع عن هيمنة السلاح غير الشرعي. وبينما يطالب اللبنانيون بدولة قوية ذات سيادة، يصرّ بري على إبقاء لبنان عالقاً في دوامة ازدواجية السلاح والقرار، ما يفتح الباب لمزيد من الأزمات والدمار.