جوني داغر

لبنان الكبير... لو كان يعلم

3 دقائق للقراءة

كثيرون يلومون البطريرك الياس الحويّك على ذهابه نحو خيار لبنان الحالي بدلاً من متصرفية جبل لبنان التاريخية، وهؤلاء محقّون بنقدهم فقد أثبتت التجربة أن الخليط اللبناني هو خليط متفجّر فنادراً ما تتوافق كلّ الطوائف على خيار سياسي واحد ولعّل الإشكالية الأحدث هي إشكالية سلاح "حزب الله". فإحدى أكبر المجموعات اللبنانية عبّرت بشكل واضح، من خلال ممثّليها، أنها تنظر لهذا السلاح كشرفها وعزّتها، فيما تنظر الطوائف الأخرى إليه كإمتياز شيعي وخطر وجودي وخروج عن أبسط البديهيات الوطنية، ولعّل النظرة الإشكالية إلى الكفاح الفلسطيني العسكري في لبنان بين المسيحيين والمسلمين وعدم الحزم من قبل الدولة تجاه هذا الأمر، من أبرز مسبّبات الحرب اللبنانية. 



لكن هذا النقد بذاته يحملنا على أكثر من نقاش:

1_ من قال أن للبطريرك الحويّك اليد الطولى في هذا الإختيار، خصوصاّ أن المنطقة قد قسمّت بحسب مصالح ومطامع الدول الأوروبية التي تقاسمت آنذاك التركة العثمانية بما يناسب حجم نفوذها وذلك إستناداً إلى مصالح تاريخية وخرائط تجارية ونظرة مدنية معينة كانت ترتئيها هذه القوى.



2_ من المعلوم أنّه خلال تلك الحقبة كانت فكرة سوريا الكبرى مطروحة بقّوة، ومن المعلوم أيضاً أن غالبية المسلمين كانوا يميلون للإنتماء إلى هذا الكيان، وهذا الأمر ثابت من خلال توصيات مؤتمر الساحل وتقارير لجنة كينغ كراين.

فمن الوارد أنه لولا تشبّث البطريرك الحويّك لكان تمّ ضم لبنان الى سوريا خصوصاً أن لبنان وسوريا وقعا تحت السيطرة الفرنسية المباشرة.



3_من الثابت أنه في تلك الفترة كانت متصرفية جبل لبنان خارجة من مجاعة قاسية قضت على نسبة مرتفعة جدّاً من سكانها، فحاول البطريرك الحويّك تجنيب الجبل فاجعة أخرى من هذا النوع من خلال إصراره على ضمّ السهول في عكّار والجنوب إلى لبنان الكبير.



4_ صحيح أن التجربة اللبنانية ليست بالناجحة، لكن هذا لا ينفي أنه وإذا حاولنا مقارنتها بتجارب الدول المشابهة من حيث التركيبة الديمغرافية مثل دول البلقان لوجدنا التجربة اللبنانية متفوقّة، فحتّى في أحلك أيّام الحرب، إرتكب الغرباء أشنع المجازر (وجزء منها كان بين مكّونات جبل لبنان التاريخية) وكثيراً ما كان الإقتتال داخل الطائفة وليس في ما بين الطوائف، مع العلم أنّ حتى جبل لبنان التاريخي لم يكن صافياً طائفياً. 



5_ أثبتت التجربة اللبنانية من ناحية قانونية أن تجربة الكوتا الطائفية ليست هدّامة كما يروّج الفكر اليساري وبعض الفكر الطائفي - العددي بل تسمح للطوائف بأن تتمثّل وتحفظ نظام التشارك في ما بينها بمعزل عن  الغلبة العددية ممّا يساهم بالإستقرار النفسي للجماعات ممّا يؤكّد إمكانية إستمرارية بلدان متنوعّة من حيث الهويّات التي تشكّل شعبها، فالنظام السياسي الذي أنتجته هذه التركيبة السكانية والجغرافية صالح لو تمّ فعلاً مراعاته بعيداً عن التأثير الخارجي وفي ظل دولة قانون فعلية. 



6_ ثقل مسيحيي اساسي متواجد في مناطق منفصلة جغرافياً عن جبل لبنان مثل الشريط الحدودي الجنوبي والبقاعي والشمالي، فخيار دولة المتصرفية كان ليقصي هؤلاء من الدولة المسيحية الناشئة. 



اليوم وفي ظل الحديث المتقدّم عن إعادة رسم الخرائط ومع إنفراط عقد الدولة السورية، يبرز السؤال حول وحدة لبنان أكثر من أي وقت مضى.

الخيارات متعددة: لا مركزية، فديرالية، تقسيم، ضمّ،.. 

لكن آلية الإختيار واحدة ، من يطرح السؤال علينا، هو من سيقررّ عنّا.