صالح المشنوق

"حزب الله" ليس الجيش الجمهوري الإيرلندي

5 دقائق للقراءة

طرح الرئيس السابق للحزب "التقدّمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، وهو من السياسيين القلائل الذين يشاركوننا أفكارًا جديرة بالنقاش العلمي (ولو اختلفنا معها) ،"التجربة الإيرلندية" كنموذج يحتذى به في التفاوض مع ميليشيا وصولًا إلى تسليم السلاح (والذي عرف في شمال إيرلندا بالـ (decommissioning). وكان شمال إيرلندا قد شهد في منتصف التسعينات مسارًا تفاوضيًا صعبًا قاده المبعوث الأميركي جورج ميتشل ما بين عامي 1996 و 1998 لحل الصراع الذي كان قد عصف بشمال الجزيرة مدّة ما يقارب الثلاثين عامًا. وقد أدى المسار التفاوضي إلى توقيع اتفاق عرف باتفاق الجمعة العظيمة، وهو الاتفاق الذي ضمن معظم مطالب الأقليّة الكاثوليكية المؤيدة للوحدة مع إيرلندا، من المشاركة الفعلية في السلطة التنفيذية إلى علاقات مميّزة مع إيرلندا إلى حقّ تقرير المصير عبر استفتاء شعبي. وقد أنهى الاتفاق بشكل شبه كلّي الصراع العسكري في شمال إيرلندا (ما وصف بـ "المعجزة")، مع الإبقاء على الصراع السياسي الحاد والمعطّل للحياة السياسية. (في العام 2019، كسرت إيرلندا الشمالية الرقم القياسي العالمي لأطول فترة من دون حكومة مكتملة الصلاحيات، وهو ألف يوم).


لا شك أن المقارنة بين ميليشيا "حزب الله" وميليشيا الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) مغرية للخبراء الساعين إلى فهمٍ أكاديمي كما للسياسيين الراغبين في ترويج مقاربة معيّنة لمعالجة الأزمة (بهذه الحالة التفاوض السياسي). ولا شك أن التنظيمين يحملان الكثير من أوجه الشبه، أهمها "الفكر الثوري" والارتباط بأيديولوجيا عابرة للحدود الوطنية بالمعنى العام (جدًا) للتعبير. كما إن التنظيمين أبديا إعجابًا وارتباطًا معنويًا ببعضهما البعض، تحت عنوان فضفاض وهو "محاربة الإمبريالية". لكن القراءة الدقيقة والعلمية للتجربتين تجعل من المقاربة - خصوصًا في ما خص "التفاوض" - غير ذي جدوى. فالفوارق بين التنظيمين، في أبعاد متعدّدة وتأسيسية، تلغي إمكانية التمثّل بـ "التجربة الإيرلندية"، وأهم هذه الفوارق هي التالية:



1. الراعي الإقليمي: إن قرار تسليم "حزب الله" سلاحه هو قرار إيراني بامتياز، كما تفرضه مقتضيات نظرية ولاية الفقيه. ويبدو جليًا أن النظام الإيراني غير راغب بتاتًا بالتخلي عن أبرز أذرعه العسكرية، أو حتى التفاوض الجدي في ما خص مصير سلاح "حزب الله". في إيرلندا كان الوضع مختلفًا تمامًا. النظام السياسي الحاكم لجنوب الجزيرة، أي جمهورية إيرلندا، كان لعقود معارضًا للكفاح العسكري الجاري في شمال الجزيرة. ولم تمتلك السلطات الإيرلندية أي سلطة قرار فعلية على الجيش الجمهوري الإيرلندي، إذ لا مال ولا سلاح (ولا مأكل ولا ملبس) يأتي من الجنوب باتجاه الشمال. بل على العكس. فقد ساهم رئيس الوزراء الإيرلندي برتي اهرن مساهمة جوهرية في الضغط على أحزاب الشمال للمضي قدمًا بالاتفاق على تسليم السلاح والمضي بالحل السياسي. إضافة إلى كونه أحد الموقّعين على الاتفاق الذي قارب في جزئه الثالث والأخير علاقات بريطانيا بجمهورية إيرلندا.


2. حزب يمتلك ميليشيا: كان الجيش الجمهوري الإيرلندي طوال فترة الصراع ممثلًا في المسرح السياسي بحزب "شين فيين"، مع أن قيادة الحزب لطالما نفت علاقة تنظيمية بالميليشيا لأسباب قانونية. إلا أن الحزب المذكور مثّل الميليشيا في العملية التفاوضية، وكانت له مطالب سياسية عملانية واضحة: المشاركة في السلطة مع حقّ الفيتو، علاقات مميّزة مع جنوب الجزيرة، والحقّ بتوحيد الجزيرة في حال قرّرت أغلبية سكّان الشمال ذلك. هذه المطالب هي النتيجة الطبيعية لكون النضال العسكري (الذي بُدئ عام 1972) أتى نتيجة رؤية سياسية متكاملة (بدأت مع مطالب ذات طابع اجتماعي عام 1969 ثم تطوّرت)، ولو أن هذه الرؤية نضجت دراماتيكيًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. مع "حزب الله" الوضع مختلف. فـ "الحزب" ميليشيا تمتلك حزبًا سياسيًا، وليس العكس. وبالتالي لا مطالب سياسية واقعية لـ "الحزب" (حتى ذات بعد إقليمي) يمكن لأي وسيط التفاوض معه عليها.


3. القناعة بانتهاء مرحلة النضال العسكري: مع بداية التسعينات، كانت القيادة السياسيّة للجمهوريين (هو التعبير المستعمل لوصف كل من يدعم الوحدة مع إيرلندا) قد اقتنعت بشكل شبه نهائي بعدم جدوى الاستمرار في الكفاح العسكري. وقد لعبت عدّة عوامل دورًا محوريًا في الوصول إلى هذه القناعة: سقوط الاتحاد السوفياتي، تطوّر العلاقات بين بريطانيا وجمهورية إيرلندا (توّج بمعاهدة عام 1985)، وإضعاف القدرات الأمنية - العسكرية للجيش الجمهوري الإيرلندي، إضافة إلى عوامل ثانوية أهمها النموّ السكاني للأقلية الكاثوليكية (الرئيس الأميركي بيل كلينتون قال لزعيم الجمهوريين إن إنجاب الأطفال يعفيكم من النضال العسكري). وقد بدأت ملامح هذه القناعة تظهر قبل سنتين من بدء الوسيط الأميركي عمله في إيرلندا الشمالية، مع إعلان الجيش الجمهوري الإيرلندي وقفًا لإطلاق النار عام 1994. الاتفاق السياسي أصبح عندها مسألة وقت وجهد، ولكن المبدأ كان قد حسم. لا يوجد عاقل في لبنان يعتقد فعلًا أن قيادة "حزب الله" اقتنعت ضمنيًا بانتهاء مرحلة الكفاح المسلّح، وهي تنتظر فقط العرض السياسي المناسب لإلقاء السلاح.


إضافة إلى كلّ هذه العوامل، هناك واقع ملفت لا يمكن تجاهله عند مقارنة التنظيمين، خصوصًا في ما خص دور الدولة اللبنانيّة في مقاربة موضوع السلاح. طيلة ثلاثين عامًا، قامت الدولة البريطانية - و هي الدولة ذات السيادة القانونية على شمال إيرلندا - بمحاربة الجيش الجمهوري الإيرلندي بكل الوسائل الممكنة، منها العسكرية والأمنية والقانونية. لذا فإن كانت المقارنة مع "التجربة الإيرلنديّة" تجوز فعلًا، فعلى الدولة اللبنانية القيام بواجباتها أولًا، علّنا نصل إلى يوم يمكننا فيه "التفاوض" فعلًا مع "حزب الله" على إلقاء السلاح، بدل استخدام "حزب الله" عنوان "التحاور" كجزء بسيط من استراتيجيّة الحفاظ "الأبدي" على سلاحه.