راشيل علوان

غزة... "فضاء وجودي" يُختبر فيه معنى الإنسان

3 دقائق للقراءة
الحرب تجعل البشر يقفون على مفترق طرق بين البقاء واللاوجود (رويترز)

غزة التي باتت مطوّقة اليوم تتأهّب للاحتلال الكامل من الجيش الإسرائيلي الماضي بخطته حتى النهاية، أمّا سكّانها فأصبح الموت جزءًا من يومياتهم، وأمرًا مألوفًا يفتك بأجسادهم كلّ ساعة، وأرواحهم كأنها اختفت تحت ركام المنازل المدمّرة والخيم المشلّعة، بلا أي إحساس بالوقت أو بالحزن أو حتى بالوجع.


منظمات إغاثة دولية تشير إلى أن أكثر من 70 في المئة من منازل غزة دُمّرت أو تضرّرت بفعل القصف، فيما تصل معدّلات الدمار في بعض المناطق إلى 90 في المئة. هذا هو واقع الغزيين المهجّرين قسرًا والجوعى، واقع مثقلٌ بالنار والدم، بلا أي أفق، يحوّل غزة إلى أرض بلا حياة، حيث لا حاجة للسؤال عن حجم المأساة المستمرّة، فالجواب في أجساد نحيلة تنتظر فتات مساعدات، وفي جثث صغيرة متزاحمة مع كلّ يوم يمضي، بينما لم يشبع نتنياهو بعد، وها هو يخطّط لدهس ما تبقى من فتات حياة، محوّلاً غزة إلى قفصٍ ضيّقٍ لا نوافذ فيه وبلا أي منفذ للضوء.


خطّة احتلال غزة قائمة على قدمٍ وساق، وستتظهّر نتائجها في الأيام القليلة المقبلة، فلا شك في قدرة نتنياهو على السيطرة على غزة وتنفيذ خطّته حتى النهاية، والحرب المتواصلة منذ 7 أكتوبر، أكبر دليل على أن الرياح جارية بما يشتهيه الإسرائيلي وحده. لكن المأساة لا يمكن اختزالها بالمعنى العسكري الضيّق، إذ ما يجري ليس مجرّد اقتحام أو احتلال، بل حرب على الوجود والمعنى ذاته. الصحافي الفلسطيني طارق دحلان الذي يعيش مرارة الغزيين، يقول لـ "نداء الوطن" إن "غزة تتحوّل إلى فراغ، أصبحت بمثابة أداة لإطالة زمن الحرب حتى موعد الانتخابات، ومختبر لسياسة التهجير الممنهج التي تُفرّغ الشمال من أهله. السيطرة هنا لا تُقاس باجتياح شارع أو مبنى، بل بقدرة الاحتلال على كسر الإرادة وإعادة تعريف الكرامة لتصبح مجرّد بقاء في خيمة، حياة بلا معنى، وعزف على أوتار الألم والانتظار".


في هذه المعادلة، يرى دحلان أن "السؤال العسكري يغدو بلا قيمة، فالجيش قادر، لكن الهدف ليس الاقتحام بقدر ما هو إدارة الزمن، إبقاء الدم سائلًا، والحفاظ على المشهد مفتوحًا. وحين يغيب الإنسان من الحسابات، تصبح غزة لا مدينة تُحتلّ أو تُحرَّر، بل ساحة لإعادة صياغة المعنى ذاته: من يستحق أن يكون، ومن يُمحى من الخريطة، ومن يُجرّد من وجوده ليصبح مجرّد رقم في لعبة سياسية باردة... إنها مختبر لمفهوم القوة على الحياة نفسها".


هنا، تتحوّل الحرب من صراع على الأرض إلى صراع على الوعي والوجود والكرامة، يضيف دحلان، حرب تجعل البشر يقفون على مفترق طرق بين البقاء واللاوجود، بين الكرامة والذلّ، بين معنى الحياة ومسرح الموت. غزة إذن ليست مجرّد مدينة، بل فضاء وجودي يُختبر فيه معنى الإنسان والمدينة والزمن والحرّية، حيث يُرسم مستقبل الوجود بألوان العنف والسياسة والغياب.