بعث الرئيس الصيني شي جينبينغ «رسائل قوّة» للداخل والخارج على السواء بالاستعراض العسكري المهيب الذي احتضنته ساحة تيانانمن على مدخل «المدينة المحرّمة» بمناسبة الذكرى الـ 80 للانتصار في «حرب المقاومة الشعبية الصينية ضدّ العدوان الياباني والحرب العالمية ضدّ الفاشية»، وفق مصطلحات السلطات الشيوعية الصينية. المفارقة أن «أعداء اليوم» كانوا «حلفاء الأمس» في الحرب العالمية الثانية. وبينما تجهد بكين لصياغة سردية تاريخية مؤدلجة تقلّل من دور الولايات المتحدة في إنهاء تلك الحرب، تجزم الحقائق المؤرّخة بمحورية دور أميركا في حسمها، فلولا دخولها الحرب بكلّ ما أوتيت من قوّة آنذاك ودعمها القوى المناهضة للإمبراطورية اليابانية وألمانيا النازية، وتغييرها مجرى أحداثها، لكانت نتائج الحرب مغايرة أو في أحسن الأحوال كانت لتكون فاتورة تحرير دول كالصين والاتحاد السوفياتي أكثر كلفة بكلّ المقاييس، علمًا أن الكلفة أصلًا كانت باهظة للغاية.
في الشكل، لم تجازف السلطات الشيوعية بأي تفصيل صغير قد يغدو عائقًا ولو بسيطًا أمام نجاح الاستعراض، فقد أفادت تقارير عن إجبار العديد من سكّان العاصمة على ملازمة بيوتهم ومنع من يسكنون في محيط تيانانمن من الطهي صباح الأربعاء لتفادي أي دخان قد يحجب السماء، إلى جانب قيود أخرى. تقدّم شي وفدًا ضمّ أكثر من 25 زعيم دولة، متوسّطًا «ضيفي الشرف» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي سار على يمينه، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الذي مشى على يساره، في أوّل ظهور علني للقادة الثلاثة معًا، مع الإشارة إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان كان من بين الحاضرين أيضًا.
تجسّد هذه الإطلالة المدروسة بعد «قمّة تيانجين»، مشهدية معبّرة لتحالف ثلاثي يزداد ترسّخًا في وجه الغرب، لمزاحمة القيادة العالمية للولايات المتحدة وإظهار وجود «قيادة بديلة» لها ثقلها، وتاليًا رسم ملامح «نظام دولي متعدّد الأقطاب». حرص شي على ارتداء بدلة رسمية تقليدية مشابهة لتلك التي كان يرتديها الزعيم الصيني التاريخي الراحل ماو تسي تونغ، لتأكيد اتصال «جذور» المسيرة الشيوعية وتكاملها مع حاضر الأمّة الصينية ومستقبلها.
في المضمون، تباهى شي أمام الحضور والحشود بمساهمة الشعب الصيني الكبيرة وتضحياته الهائلة لـ «إنقاذ الحضارة الإنسانية والدفاع عن السلام العالمي»، وحذّر من أن البشرية تواجه اليوم «خيار السلام أو الحرب، الحوار أو المواجهة، فوز الجميع أو خسارة الجميع»، حاسمًا أن الشعب الصيني «سيقف بحزم في الجانب الصحيح من التاريخ». وكانت لافتة مطالبته «جيش التحرير الشعبي» الصيني بـ «تقديم الدعم الاستراتيجي لإحياء نهضة الأمّة»، ودعوته إيّاه إلى «بناء نفسه كقوات عالمية المستوى»، فيما تنتظر الصين تحدّيات جيوستراتيجية جسيمة إذا ما قرّرت بكين الانفلاش عسكريًا وفرض نفسها قوّة مهيمنة في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، خصوصًا أنها ستكون في مواجهة الجيش الأميركي وحلفائه في المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار أن الجيش الصيني ليس مختبرًا بعد في ميدان القتال، وتصنيف مدى قوّته يبقى نظريًا حتى اللحظة.
استعرض الجيش الصيني «عضلاته» في تيانانمن، حيث حلّقت أسراب من الطائرات الحربية، بعضها مزوّد برادارات، فوق العرض العسكري المبهر. أثارت مجموعة متنوّعة من أسلحة «الجيل الجديد» اهتمام الخبراء العسكريين حول العالم، ولا سيّما في الغرب، مثل نظام الليزر للدفاع الجوي، والصواريخ المضادة للسفن، والمسيّرات المستخدمة تحت سطح البحر وفوقه، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الضخمة، كالصاروخين العابرين للقارات «دي أف - 61» و«دي أف - 5 سي»، الذي زعمت صحيفة «ذي غلوبال تايمز» الصينية بأنه قادر على ضرب «أي نقطة في الأرض».
أرادت بكين أن تجعل واشنطن تعي أن التنمّر والإكراه العسكري ضدّها لا يُجديان نفعًا، إذ إن الجيش الصيني أصبح يمتلك أسلحة ذات تكنولوجيات متطوّرة تستطيع مقارعة نظيرتها الأميركية، بهدف ردع «العم سام» عن تعزيز سياسته القاضية باحتواء الصين وتشديد «الطوق» من حولها، ومنعه من التدخل عسكريًا متى عَقدت العزم على غزو تايوان أو فرض حصار مطبق عليها. وكأن لسان حال شي يقول إن «قرن الإذلال على أيدي المحتلّين قد ولّى إلى غير رجعة، ونحن ننتقم بحجز مكان مستحقّ للصين بين الأمم الكبرى، ومن يختبر عزيمتنا الفولاذية سيندم».
لا يُمكن إغفال حملة التطهير التي يشنها الرئيس الصيني في أعلى هرم «جيش التحرير الشعبي». لقد عزل عددٌ لا يُستهان به من القادة والمسؤولين العسكريين أصحاب الرتب العالية خلال ولاية شي الأخيرة، بعضهم كان يعتبر من أقرب المقرّبين من الرئيس ورفاق دربه، تحت شعار مكافحة الفساد الذي يُثير مخاوف شي من أن يحول دون تمكّن الجيش الصيني من أداء واجبه كاملًا عندما تحين «ساعة الحقيقة». فالفساد هو العدوّ رقم واحد للمؤسّسة العسكرية، وما حصل ويحصل مع الجيوش التي نخرها الفساد، أكبر شاهد على ذلك.
يُعاني الجيش الصيني من مشكلات خطرة تتعلّق بالفساد والأداء، وهنا تطرح علامات استفهام حول حجم الفساد المتغلغل في صفوف الجيش الصيني ومدى عمق ضرره على جهوزيّته للتعامل مع الحروب التي قد يخوضها مع أعدائه. وما يُثير توجّس القيادة الصينية أيضًا، أن «ساحة المعركة» ستجيب مستقبلًا عن هذه التساؤلات بأصعب الظروف وأحلكها. فالاستعراضات، رغم رمزيّتها وهيبتها، لا تنفع الجيوش بشيء وقت الحرب، وعند الامتحان يكرم «جيش التحرير الشعبي» أو يهان. لكن، هناك «وجه آخر» لحملة التطهير الخاصة بشي، وهو أن الأخير يعكف على إحكام قبضته على الجيش ليكون تحت إمرته الكاملة وطاعته المطلقة لتنفيذ تعليماته بحذافيرها عند أي استحقاق طارئ قد يفرض نفسه على الحزب الحاكم أو الدولة الصينية، داخليًا أو خارجيًا.
اتجهت «الأنظار الأطلسية» إلى لقاء كيم - بوتين الطويل. كرّر «القيصر» الإشادة بالجنود الكوريين الشماليين الذين ساهموا إلى جانب الجيش الروسي بطرد القوات الأوكرانية من منطقة كورسك الروسية، كما دعا الزعيم الشيوعي إلى زيارة روسيا، بينما تعهّد كيم ببذل «كلّ ما بوسعه لمساعدة» موسكو. يتحدّى الزعيمان النظام الدولي القائم على القواعد، في وقت تمعن فيه الآلة العسكرية الروسية بشن هجمات جوّية واسعة ومكثفة على كافة أنحاء أوكرانيا. خلف المصافحة والعناق وتبادل المجاملات بين بوتين وكيم، تمسّك حازم بالشراكة الاستراتيجية بين بلديهما وتوسيع مستمرّ لها، ما يعني احتمال إرسال المزيد من الجنود وحاويات الأسلحة لمساندة الكرملين في طموحاته التوسعية، إذا لزم الأمر، مقابل دعم موسكو لبيونغ يانغ في المحافل الدولية ومساعدتها تقنيًا في التكنولوجيات العسكرية والفضائية.
تشكّل الصين التحدّي الجيوسياسي الأشدّ خطورة على الولايات المتحدة ونفوذها العالمي. تعمد بكين إلى تعزيز تحالفاتها القائمة وتوسيعها لتطول دولًا أخرى، بغية إعادة صياغة نظام دولي يتناسب مع طموحاتها وأهدافها. لكن درب الصين نحو القمّة ما زال متعرّجًا وتتخلّله عوائق عظيمة، تبدأ بالمؤشّرات الاقتصادية المقلقة ولا تنتهي بالقوّة العسكرية الناقصة الخبرة. لا تزال غالبية «الأرقام» والدلائل والمعطيات، والحضور الفعلي والملموس على المسرح الدولي في ميادين مختلفة، تصبّ في مصلحة أميركا بشكل لا يقبل الجدل، بيد أن المنافسة محتدمة والصراع محموم على المصالح والنفوذ، وتبادل الرسائل في أوجّه لحشد الهمم الوطنية ورسم الخطوط الحمراء الإقليمية والدولية.