الدكتور سايد حرقص

واحة الجمال وصراع الأفيال

4 دقائق للقراءة

​غالبًا ما تُختصر السياسة الدولية في صور رمزية تُبرز عمق تعقيداتها. ولبنان اليوم يجسّد هذا المعنى بدقة، إذ يقف عالقًا في قلب صراع إقليمي ودولي يذكّر بالمثل الصيني: "عندما تتصارع الفيلة، يُسحق العشب". فالبنية التحتية، والاقتصاد، والأمن، وأحلام الشباب، جميعها تتفتت تحت وطأة المواجهة الدائرة بين إسرائيل وإيران على أرضه، فيما يبقى لبنان مجرّد ساحة مستباحة عاجزة عن التأثير في مسار الأحداث.


​الخطابات الأخيرة للشيخ نعيم قاسم حول التمسّك بالسلاح مهما كانت النتائج، تعكس تحوّلًا جذريًا في وظيفة هذا السلاح. فبعد أن قدّمت الدعاية الإعلامية لحزب الله على مدى أربعة عقود السلاح كوسيلة لتوازن الرعب مع إسرائيل، تمخض "جبل السلاح" اليوم فولد "فأرًا تحريضيًا" لترويع خصوم الداخل وشلّ الدولة ومؤسساتها. هذا الانزلاق سيؤدي حتمًا إلى نتائج شبيهة بنتائج حكاية تشرشل والديكين المتصارعين: فعندما أطلق تشرشل ديكًا واحدًا، كان صعبًا على الجميع الإمساك به، ولكن عند إطلاق ديكين أصبح الوضع أكثر سهولة لأنهما انشغلا في الاقتتال، مما سهّل الإمساك بهما. وهكذا، فإن تهديد حزب الله لشركائه في الوطن بأسلوب استفزازي وغير محسوب العواقب، لا بد أن يقود إلى توتر داخلي خطير، يحوّل السلاح في نظر غالبية اللبنانيين إلى أداة للانقسام وإشعال الفتن وتدمير ما تبقّى من لبنان، وبذلك يفقد هذا السلاح أي غطاء وطني، ويمنح إسرائيل فرصة سانحة لتوجيه ضربة قاضية لما تبقّى منه.


​في المقابل، يتحرّك بنيامين نتنياهو ببراغماتية الدبّ الروسي الجائع في موسم صيد السمك، يوظّف قوّته ودهاءه ليلتقط أكثر من سمكة في آنٍ واحد. فنتنياهو يجمع بين فائض القوة العسكرية القائمة على كثافة النيران والذكاء الاصطناعي، وبين براعة المناورة السياسية عبر استثمار الدبلوماسية الأمريكية لتحقيق ما تعجز عنه آلته الحربية.


​في بداية التسعينيات، في الوقت الذي كان العالم يرفع كؤوس التفاؤل بإحلال السلام احتفالًا باتفاق أوسلو، كان نتنياهو يرسم في كتابه "مكان تحت الشمس" ملامح كوابيسه المرعبة: مشروع استراتيجي قائم على الهيمنة عبر القوة والحروب الممنهجة. ما اعتُبر يومها مجرد هلوسات رجل سادي مريض بالعنف تحوّل اليوم إلى واقع دموي يعيشه الفلسطينيون واللبنانيون والمنطقة بشكل عام.


​من المعروف أنه قبيل عملية "طوفان الأقصى" عام 2023، كانت الأحزاب الدينية اليهودية ذات النزعة المتطرّفة، والتي تُشبه في فكرها نماذج "داعشية"، قد بدأت تتغلغل في المجتمع الإسرائيلي، محدثةً انقسامات داخلية كادت تفجّر صدامات أهلية. في تلك المرحلة أيضًا، كانت سارة نتنياهو تواجه اتهامات موثّقة بالفساد واستغلال النفوذ، ما جعل رئيس الوزراء يبحث عن خشبة خلاص تُبعد عنه الملاحقات القضائية. فجاءت العملية كهدية غير متوقّعة: فرصة للهروب من أزماته الشخصية وتوظيف موجة التعصّب الديني لخدمة أهدافه المجنونة.


​في المقابل، كانت أهداف يحيى السنوار محدودة نسبيًا، تتركّز على إطلاق الأسرى، فيما كان السيد حسن نصرالله يعيش على أوهام "المئة ألف صاروخ والمئة ألف مقاتل" وفائض قوّة لم يختبره يومًا. من حيث لا يدرون، قدّم الاثنان معًا لنتنياهو أثمن هدية: غطاءً مثاليًا لاستراتيجيته القديمة، عبر تدمير غزة تدميرًا شاملًا، واستنزاف ما تبقّى من قوة حزب الله، مستخدمًا أحدث الأسلحة وأكثرها فتكًا، وتحت حماية دبلوماسية أمريكية توفّر له الدعم والضغط على خصومه في آنٍ واحد.


​يبدو حزب الله، الذي استخدمته إيران بشكل مفرط كذراع عسكرية أساسية لها في دول الشرق الأوسط، أقرب إلى "القط الغبي" في حكاية لافونتين الشهيرة، حين استغل القرد ذكاءه لدفع القط إلى إخراج الكستناء من النار، فاحترقت مخالب القط فيما خرج القرد بالغنيمة. إيران وظفت حزب الله وعناصره أداة لتحقيق مصالحها في المفاوضات الدولية وصفقات النفوذ، بينما ترك لبنان ليتحمّل وحده الخسائر في اقتصاده وأمنه ومستقبل شعبه.


​وهكذا تحوّل لبنان إلى مسرح لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بدل أن يكون طرفًا فاعلًا في تقرير مصيره. وتشير تقارير اقتصادية عالمية إلى أنّ خسائره السنوية الناتجة عن هذا الصراع تتراوح بين 5 و9 مليارات دولار، نتيجة مباشرة لسياسات الاستنزاف والانقسام. وبينما يحصد الآخرون المكاسب، يستمر لبنان في دفع الأثمان الباهظة من استقراره، دماء أبنائه، ومستقبله المعلّق بين نارين.