في زمن لم تعد فيه الذاكرة محصورة بالصور الورقية ولا القبور بالحجارة الباردة، برزت ظاهرة جديدة تُعرف بـ "المقابر الرقمية". آلاف الحسابات على "فيسبوك" و "تيك توك" و "إنستغرام"، توقّف أصحابها عن التفاعل لأنّ الموت خطفهم، لكنّ صفحاتهم ما زالت تنبض بالتعليقات والزيارات، حتى تحوّلت إلى أماكن "افتراضية" للحداد والذكرى، بدلًا من المقابر التقليدية.
"فيسبوك" مثلًا، أعلن في تقاريره الأخيرة أنّ لديه أكثر من 30 مليون حساب لأشخاص متوفّين، تُدار إمّا من قبل عائلاتهم أو تظلّ مفتوحة يتوافد إليها الأصدقاء والأقارب. وفي كثير من الحالات، يختار أهل المتوفى تحويل الحساب إلى "حساب تذكاري" يتيح للزوّار نشر كلمات الوداع وإحياء الذكرى السنوية. تقول ماريا، شابة إيطالية فقدت أختها بحادث سير، إنّها "تزور صفحة أختها على "فيسبوك"، كما يزور الآخرون القبور". وتضيف: "أكتب لها صباح الخير كلّ يوم، وأشعر أن روحها تقرأني".
لم تقتصر هذه الظاهرة على "فيسبوك". على "تيك توك"، يترك الأصدقاء فيديوات قصيرة لأشخاص رحلوا، تُحاط غالبًا بالموسيقى الحزينة أو بصور من ذكريات الطفولة. بعض الحسابات تحوّلت إلى ما يشبه "ألبوم عزاء مفتوح"، يتابعه غرباء لا يعرفون المتوفّى، لكنهم يتأثرون بالقصة ويتفاعلون بالتعليقات.
يفسّر علماء الاجتماع الظاهرة على أنها محاولة بشرية للتصالح مع فكرة الفقدان في عصر رقمي. فالناس لا يكتفون بزيارة المقابر الصامتة، بل يبحثون عن "فضاء تفاعلي" يربطهم بالراحل. وفي دراسة لجامعة "أوكسفورد" عام 2022، أشار الباحثون إلى أنّ "الموت في العصر الرقمي لم يعد نهاية مطلقة، بل بداية لنوع جديد من الحضور الافتراضي". لكنْ، لهذه الظاهرة جانب آخر يثير الجدل. فبعض العائلات تفضّل إغلاق الحسابات نهائيًا، خشية أن تبقى حياة المتوفّى مكشوفة للغرباء، أو أن تتحوّل صفحته إلى ساحة للتنمّر الإلكتروني. وفي حالات نادرة، جرى اختراق حسابات أشخاص متوفّين واستغلالها تجاريًا أو لنشر محتويات غريبة، ما سبّب صدمة لأحبّائهم.
على الرغم من ذلك، يزداد الإقبال على "المقابر الرقمية". إذ ظهرت شركات متخصّصة بالفعل لتقديم خدمات إدارة الإرث الرقمي، من بينها شركة أميركية تتيح تخزين رسائل وصور وفيديوات تُرسل إلى الأهل بعد وفاة الشخص، لتبقى صفحته الإلكترونية حيّة برسائل "ما بعد الموت". تطرح هذه الممارسات أسئلة وجوديّة وأخلاقيّة: هل يتحوّل الفضاء الرقمي إلى بديل كامل عن الطقوس الدينية والاجتماعية المرتبطة بالموت؟ وهل سيصبح المستقبل حيث نزور أحبّاءنا عبر "لايك" وتعليق بدلًا من وضع الورود على القبور؟
في لبنان مثلًا، قال شاب فقد صديقه في انفجار بيروت إنه ما زال يترك له رسائل على "فيسبوك" منذ أربع سنوات. ويقول: "أحيانًا أشعر أنه سيجيبني، وكأن الموت لم يقطع حبل الصلة بيننا". هذا الشاهد يعبّر عن عمق التحوّل: لم يعد الموت صمتًا مطبقًا، بل حوارًا مستمرًا عبر شاشة مضيئة.
في النهاية، "المقابر الرقمية" ليست مجرّد ظاهرة عابرة، بل مرآة لعصر يعيش فيه الإنسان بين الواقع والافتراض. فكما غيّر الإنترنت طريقة عملنا وتواصلنا وحبّنا، يبدو أنه بدأ يغيّر أيضًا كيف نحزن وكيف نتذكّر موتانا.