عيسى يحيى

"فرح بعلبك" احتفال يليق بمدينة الشمس

3 دقائق للقراءة

لأنّ بعلبك لا يليق بها إلا الفرح، كان حفل "فرح بعلبك" مساء السبت في أحضان قلعتها التاريخية، حيث احتضنت مدرّجات "معبد باخوس" جمهورًا غفيرًا من أبناء المدينة وزوارها من مختلف المناطق اللبنانية، عاشوا ليلة مميّزة امتزجت فيها الموسيقى مع سحر المكان، لتُكتب صفحة جديدة في تاريخ المدينة التي لطالما عُرفت بالثقافة والفن والكرم.


لم يكن الحفل عاديًا، فهو الأول من نوعه خارج إطار "مهرجانات بعلبك الدولية" التي اعتاد اللبنانيّون حضورها كل صيف. هذه المرّة، قرّر القيّمون على "مهرجان فرح بعلبك" أن يفتحوا أبواب القلعة أمام الناس بأسعار مدروسة، بعيدًا من الطبقيّة والحواجز، لتكون الأمسية للجميع ولتُثبت أنّ الفرح حقّ لأبناء بعلبك كما لكلّ اللبنانيين.


منذ ساعات المساء الأولى، بدأ الجمهور يتدفّق إلى القلعة، رجالًا ونساءً، شبابًا وعائلات كاملة، جاؤوا حاملين معهم الشغف واللهفة. كان المشهد مؤثِّرًا: وجوه يضيئها الحماس، ضحكات تتعالى، وأغنيات تُردَّد قبل أن تبدأ فعليًا على المسرح. كثيرون اعتبروا أنّ اللحظة تاريخية، إذ لم يعتادوا رؤية احتفال بهذا الشكل، بهذا القرب، وبهذا الانفتاح.


البرنامج الذي امتدّ لساعات عكس روح التنوع. البداية كانت مع النشيد الوطني اللبناني الذي رددّه الحضور وقوفًا، ليُعلن انطلاق الأمسية في أجواء وطنية مؤثرة. تلا ذلك كلمة للإعلامي جمال فياض، تبعه "سلام المهرجان" الذي وجّه رسالة حب وفخر ببعلبك. بعدها قدّم الفنان العالمي ملحم أغنية "Baal" التي حاكت روح المكان وأعطت انطلاقة فنية رفيعة المستوى.


ثم جاء دَور عرض "حنين العلم"، فامتزج العزف على الكمان مع الرقصة التعبيرية ليترك أثرًا عاطفيًا عميقًا. تلاه الفنان حليم كرم مع فرقة الكورال حيث قدّموا وصلة بعنوان "الزمن الجميل" تضمّنت وصلات غنائيّة لأعمال عمالقة لبنان مثل وديع الصافي، ملحم بركات، صباح، زكي ناصيف، فيروز وزياد الرحباني. الجمهور تمايل وردّد هذه الأغاني التي تعكس هوية لبنان الفنية الأصيلة.


ثم تصاعد الإيقاع مع العروض الراقصة: "فرقة المجد" بقيادة خالد النابوش قدّمت لوحات دبكة مبهرة ألهبت المدرّجات، قبل أن تعود "فرقة سوان دانس" لتقدّم عرضاًًا معاصرًا متقنًا خطف الأنظار. وفي الختام، صعد الفنان نادر الأتات إلى المسرح، فاستُقبل بعاصفة من التصفيق، وافتتح وصلته بأغنية "بعلبك" للشاعر طلال حيدر، قبل أن يقدّم مجموعة من أغنياته الخاصة والوطنية التي أشعلت الأجواء حتى ساعات متأخرة.


المهرجان بنسخته الأولى، حمل رسائل كثيرة. الأولى أنّ بعلبك ليست مدينة محصورة بتاريخها العريق فقط، بل هي حاضرة قادرة على التجدّد واستقبال الأفكار الجديدة. والثانية أنّ أهل المدينة الذين عانوا طويلً من التهميش والحرمان، يستحقون عيش لحظات الفرح من دون تفرقة أو طبقية. والثالثة أن لبنان، رغم أزماته، لا يزال قادرًا على إنتاج الفرح وإيجاد مساحات للأمل.


الجمهور الذي غصّت به مدرّجات القلعة طالب بتكرار التجربة سنويًا، معتبرين أنّ مثل هذه المبادرات تردّ لبعلبك حقّها الطبيعي كمركز للثقافة والفن. فالمكان، بما يحمله من إرث إنساني، يستحق أن يبقى منارة، والناس يستحقون أن يعيشوا حياة طبيعية فيها بهجة وموسيقى ورقص.


لقد أثبت "مهرجان فرح بعلبك" أنّ الفرح معدٍ، وأنّ لقاء التاريخ مع الموسيقى يُولِّد لحظة استثنائية تليق بمدينة الشمس. وإذا كان هذا الحفل التجريبي قد نجح إلى هذا الحدّ، فإن المستقبل يبشّر بمهرجانات موازية تُعيد للمدينة مجدها وتمنح اللبنانيين مساحة من الفرح الجماعي الذي افتقدوه طويلًا.