منذ أن طرح مشروع ممر زنغزور الذي يربط أذربيجان بإقليم نخجوان عبر جنوب أرمينيا، بدا واضحًا في طهران أن القضية لا تتعلق بخط لوجستي أو تجاري فحسب، بل بمخطط استراتيجي يهدد عمقها الأمني ومجالها الحيوي في القوقاز. فإيران تعتبر أن الممر سيحرمها من منفذها الوحيد إلى أرمينيا ويضعف موقعها كدولة عبور رئيسية في المنطقة. غير أن الأخطر بالنسبة لطهران ليس الجانب الجغرافي وحده، بل الشراكة العميقة بين باكو وتل أبيب التي تجعل من أذربيجان القاعدة الإسرائيلية الأولى على حدودها الشمالية.
إسرائيل تنظر إلى أذربيجان باعتبارها بوابة متقدمة نحو إيران. العلاقات الأمنية والاستخباراتية بين الطرفين لم تعد خافية: الطائرات المسيّرة والسلاح المتطور والتعاون التقني كلها عناصر عززت قدرات باكو في نزاعها مع أرمينيا. لكن بالنسبة لإيران هذه الشراكة تحمل معنى أبعد بكثير، فهي تعني وجود نفوذ إسرائيلي دائم على حدودها المباشرة. ومع ممر زنغزور تصبح تل أبيب قادرة على ترسيخ حضورها في قلب مشروع جغرافي يربط تركيا وأذربيجان مباشرة ويقصي إيران تمامًا من المعادلة.
هذا التهديد يفسر ارتفاع نبرة الخطاب الإيراني. فالممر من وجهة نظر طهران ليس مجرد طريق للنقل، بل حلقة في سلسلة تهدف إلى تطويقها. فإلى جانب تركيا وحلف الناتو يأتي الدور الإسرائيلي الذي تسعى إيران لوقف تمدده عبر الحدود الشمالية. المسؤولون الإيرانيون يعتبرون أن فتح ممر بغطاء دولي تركي إسرائيلي هو خط أحمر، وأنه يمثل مشروعًا لعزلها وحرمانها من ورقة النفوذ في القوقاز.
أمام هذا الواقع تطرح إيران خيارات عدة للمواجهة. أولها دبلوماسي عبر تحالفها مع روسيا وأرمينيا للضغط باتجاه منع أي صيغة تهمّش السيادة الأرمينية أو تشرّع الممر الخارجي. ثانيها اقتصادي من خلال الاستثمار في ممرات بديلة كالممر الدولي شمال جنوب لضمان بقاء إيران محطة عبور لا يمكن الاستغناء عنها. ثالثها أمني عبر المناورات العسكرية على حدودها الشمالية الغربية في رسالة واضحة بأن أي تغيير في الحدود أو محاولة لفرض ممر بالقوة سيقابله رد حازم.
لكن في العمق تدرك طهران أن الخطر الأكبر يكمن في التحالف الأذربيجاني الإسرائيلي. فكلما تعزز هذا التحالف كلما باتت إيران محاطة بخصوم يمتلكون قدرات تقنية وعسكرية متطورة ويستخدمون الجغرافيا الجديدة لتقييد حركتها. لذلك فإن المواجهة مع ممر زنغزور بالنسبة لإيران ليست مجرد دفاع عن مصالح اقتصادية أو ممر بري، بل هي معركة وجودية ضد تمدد النفوذ الإسرائيلي في خاصرتها الشمالية.
وبحسب مصدر دبلوماسي روسي، فإن موسكو وإن كانت علنًا ترفض أي مسار يضعف أرمينيا، إلا أنها في الكواليس لا تعارض فتح الممر، بل ترى فيه ورقة يمكن استثمارها لتعزيز حضورها في التوازنات الإقليمية وفتح قنوات جديدة مع أنقرة وباكو. هذا الموقف الرمادي يزيد من عزلة طهران ويكشف أن حليفها الأهم ليس مستعدًا للمواجهة المباشرة دفاعًا عن مصالحها في القوقاز.
في المحصلة ممر زنغزور هو ساحة مواجهة غير مباشرة بين طهران وتل أبيب عبر أذربيجان. وإذا لم تنجح إيران في منع قيام هذا الممر فإنها تخشى أن يتحول شمالها إلى منصة ضغط دائمة بيد إسرائيل وحلفائها، وهو ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي لا يمكن القبول به.