يشهد لبنان اليوم ضغوطًا خارجية متزايدة، تجلّت مؤخرًا في زيارة وفود أميركية رفيعة المستوى تنوّعت بين الدبلوماسي والسياسي والعسكري. هذه الزيارات، التي ركزت على "نزع سلاح حزب الله"، تعكس اهتمام واشنطن بوضع حد للسلاح غير الشرعي الذي يُعد امتدادًا للنفوذ الإيراني وتهديدًا للاستقرار الداخلي والإقليمي. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن الخيار العسكري، سواء كان داخليًا عبر الجيش اللبناني أو خارجيًا عبر اجتياح إسرائيلي او تدخل سوري، سيكون كارثيًا، وسيؤدي إلى فتح "أبواب الجحيم" على لبنان، بالإضافة إلى دمار واسع، وتفاقم الانقسامات الطائفية، وصراع دموي لا تُحمد عقباه.
من هنا، شدّد بالأمس الدكتور سمير جعجع على ضرورة التعقّل والعمل معًا لبناء وطن نهائي لجميع أبنائه، واستشهد بأقوال للإمام علي بن أبي طالب والإمام محمد مهدي شمس الدين والسيد موسى الصدر، ودعا الشيعة إلى هجرة المشروع الإيراني والعودة إلى الوطن، لأن الوطن هو الكرامة والعزة وليس السلاح غير الشرعي. فهل سيستجيب قادة الشيعة لنداء العقل، أم أن العاطفة الدينية وصلت إلى مرحلة اللاعودة كما بدا من الرد المتسرع للمفتي الجعفري الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان ؟ وهنا يصبح السؤال الجوهري: ما هو الحل؟ وكيف يمكن للبنان أن يتجاوز هذه المرحلة الحرجة، بأقل ضرر ممكن، في ظل تمسك حزب الله بالسلاح؟ الجواب قد نجده في التجارب التاريخية للشعوب التي عاشت ظروفًا مشابهة، وتمكّنت من تحويل الانقسام إلى وحدة عبر العقد الاجتماعي والانتماء الوطني.
لفهم واقعنا اللبناني، يمكن الاستعانة برؤية الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون الذي قال إن الجماهير إذا تُركت من دون وعي وقيادة عقلانية "تُقاد بالعاطفة أكثر مما تُقاد بالعقل". هذه الجماهير تصبح عرضة للتلاعب من زعماء أو جهات خارجية يحرّكونها بشعارات براقة ويداعبون شعورها لاستغلالها في مشاريع مشبوهة تخدم مصالحهم، بدلًا من أن تكون فاعلة في مشاريع وطنية راسخة. وفي هذا السياق، يقول لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير": "الجماهير لا تظمأ أبدًا إلى الحقيقة. وأمام الحقائق التي تزعجها، فإنها تحوّل أنظارها باتجاه آخر، وتفضّل تأليه الخطأ إذا ما جذبها الخطأ. فمن يعرف إيهامهم يصبح سيدًا لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم".
ما نشهده اليوم في لبنان، أي الالتزام الأعمى لجزء من الشيعة بعقيدة ولاية الفقيه التي تطمح لبناء الدولة الإسلامية الشيعية الكبرى بقيادة الخامنئي في إيران ، هو تجسيد حيّ لفكر لوبون: جماهير مشحونة بطاقة عاطفية دينية يسهل استغلالها لتحقيق مشاريع كبرى، بدلًا من أن تكون جزءًا من شعب واحد يملك عقدًا اجتماعيًا جامعًا ويعمل معًا لازدهار الوطن. وكما قال لوبون: "لا جماهير من دون قائد، كما لا قائد من دون جماهير". وهذا يفسر العلاقة العضوية بين "حزب الله" وقاعدته الجماهيرية وولي الفقيه في إيران.
إن التجربة اللبنانية ليست جديدة، فقد مرت شعوب تُعد اليوم من أرقى وأغنى شعوب العالم بهذه التجارب، وخرجت منها بعد أن آمنت بانتمائها الوطني وصنعت عقدًا اجتماعيًا شفافًا أسس لنظام سياسي متين. وسنذكر على سبيل المثال لا الحصر عدة نماذج ناجحة:
- سويسرا: في القرون الوسطى، كانت القبائل السويسرية تعيش واقعًا شبيهًا بواقع لبنان اليوم. فقد استُخدمت كمرتزقة في صراعات الملوك الأوروبيين الطائفية والقومية، ما ولّد انقسامات خطيرة بين القبائل، وكاد أن يقضي على فكرة الوطن السويسري. لكن السويسريين تعقّلوا، وابتعدوا عن صراعات الخارج، وتوصلوا إلى عقد اجتماعي أسّس لنظام سياسي متين ومحايد، ركّز على بناء هوية وطنية سويسرية موحدة فوق الانتماءات القبلية. وقد تجسّد هذا التحول في المثل السويسري الشهير: "الوحدة تصنع القوة".
- الولايات المتحدة الأميركية: فقد واجهت الولايات المتحدة بعد الاستقلال انقسامات بين ولايات الشمال والجنوب، لكن الآباء المؤسسين صاغوا عقدًا اجتماعيًا فيدراليًا موحدًا. وقد لخّص أبراهام لينكولن جوهر هذا العقد في جملته الشهيرة: "أمة منقسمة على ذاتها لا يمكن أن تصمد".
- كندا: ورغم التعدد اللغوي والثقافي، ارتكز العقد الاجتماعي على مبدأ التعايش والاحترام المتبادل. وهذا ما تُلخّصه الحكمة الكندية: "الوحدة في التنوع ليست خيارًا، بل ضرورة".
إن جزءًا من المجتمع الشيعي اللبناني يشعر اليوم نتيجة ارتباطه بمشاريع إيران غير الواقعية وفشله في حروبه الأخيرة بـ"الاغتراب" عن الدولة اللبنانية، ما يدفعه إلى التمسك بسلاحه والتركيز على حماية ذاته بدلًا من الانخراط في مشروع وطني جامع. هذا المسار يفتح الباب أمام تدمير ما تبقى من دولة واقتصاد.
هذا الفريق المشحون بالحقد والغضب يزوّر التاريخ ويخوّن الشركاء في الوطن ويدّعي المظلومية ويهدّد بحروب أهلية داخلية، مع العلم أنه هو الذي جرّ البلد إلى الخراب والدمار. بالرغم من كل ذلك وقف بالأمس الدكتور سمير جعجع يناشده التعقل والعودة إلى الوطن ويُذكّره بأنه في عز الحرب المدمرة الأخيرة وقف جميع اللبنانيين إلى جانب بيئته المتعبة والمهجرة بشكل عفوي ومن دون أي أهداف سياسية، وليؤكّد له أن الكرامة والعزة هي بالانتماء إلى وطن حر مزدهر وليست في سلاح غير شرعي هجّر بدل أن يحمي ودمّر بدل أن يبني.
لهذا لا حلول مستدامة في الأفق اليوم من دون اقتناع الجميع بضرورة بناء هوية لبنانية جامعة وإعادة تأسيس عقد اجتماعي على أسس واضحة:
- الإيمان بنهائية الكيان اللبناني.
- رفض الانخراط في مشاريع خارجية.
- حصر السلاح بيد الدولة.
- الالتزام بالمصلحة الوطنية اللبنانية العليا قبل أي مصلحة طائفية أو عشائرية.
إن استحضار فكر لوبون هنا يوضح الفارق: فالجماهير المنقسمة تبقى أداة بيد الخارج يلعب بها حسب أهوائه ومصالحه. يقول لوبون: "إن الجمهور يمكنه بسهولة أن يصبح جلّادًا، ولكن يمكنه بنفس السهولة أن يصبح ضحيةً وشهيدًا". لهذا وحده الشعب الموحد بعقد اجتماعي وإيمان بهوية واحدة، هو الذي يتحكم بمصيره. وهذا هو الخيار الوحيد أمام اللبنانيين إذا أرادوا أن يبنوا وطنًا قويًا يشبه ما حققه السويسريون والأميركيون والكنديون.