من يُتابع الإعلام الموجّه التابع لحلفاء الحزب في الشارع المسيحي (باسيل-فرنجية)، يستنتج أن الثنائي يتحضر للانتخابات النيابية، ليس عبر صياغة خطاب سياسي جذّاب قادر على استقطاب الناخبين، بل من خلال التركيز على شيطنة رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع.
محاولات كثيرة تُحاك يوميا لمحاولة استرجاع خطاب الحرب، عبر تذكير الناس بفصول الحرب الأهلية وإعادة بثّ الصورة التي حاول النظام السوري السابق أن يزج بها رئيس "القوات" وعدد كبير من الشباب الذين أمضوا العمر في الدفاع عن الخطط التي حيكت لتهجير المسيحيين.
صحيح أنّ المعارك الإعلامية والكلامية بين هذه الأطراف لم تهدأ يوما واحد، خصوصا مع كل مفترق انتخابات نيابية، لكنها كانت دائما معارك مفهومة في إطارها التعبوي، كلام عن الفساد والإدارة والتحالفات والسلاح، من دون أن يتخطّى الإطار الطبيعي، إلا مؤخرا حين بدأ الثنائي حربهم على "القوات" باسترجاع لغة كان ظنّ اللبنانيين أنّ كل الأطراف تخطوها، خصوصا في مرحلة ما بعد المصالحات المسيحية.
لنبدأ أولاً مع رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل:
باسيل لا يترك فرصة إلا ويحاول فيها شيطنة جعجع، فكل خطاب أو كل كلمة يقولها، يخصص جزء كبير منها لمهاجمة "القوات" ورئيسها، عبر سرد مجموعة من الأكاذيب والتشويه.
في الحقيقة لا يُحسد باسيل على موقعه الجديد، فالرجل لا يستطيع أن ينتعش سياسيا وانتخابيا إلا عبر السلطة، اذ لم يصبح زعيما في الشارع المسيحي لولا اغداق مئات الوظائف على محازبيه.
اليوم، وبعد سلسلة هزائم استراتيجية وتكتيكية، أصبح خارج السلطة، وبدأت أيضا حملة تسريح موظفين درجة أولى تابعين له بتهم فساد، لتكون المرة الأولى التي يخوض بها انتخابات نيابية من دون الاستفادة من هذه المفاتيح الانتخابية المهمة.
في المقابل، حاول باسيل أن يتحضر عبر بروفا الانتخابات البلدية، من خلال تصوير للرأي العام أن لا شيء تغير في التيار، وأنّ قدرته التجيرية لم تضعف، وأنه لا يزال قادر على الدخول في معارك انتخابية، والأهم أنه قادر أن يقوم بمعركة عونية صرفه وأن يشك علم "التيار" في المكان الذي يختاره على حدّ قوله.
ليتبيّن للرأي العام، بعد انتهاء الانتخابات على صعيد البلديات ورؤساء الاتحاد، أنّ باسيل لم يربح معركة، لا بل خسر معارك، على صعيد البلديات واتحاد البلديات، بدءًا من اتحاد بلديات كلاّ من البترون وجزين وصولاً إلى خسارة اتحاد بلديات كسروان وجبيل وخسارة عدد من بلديات (جونية والمتن) المحسوبة تاريخيا على "التيار"، وليس انتهاءً بزحلة التي تعدّ من أكبر المدن مسيحيا على صعيد لبنان.
المكان الوحيد الذي شك فيه العلم هو مدينة جزين، وعلى الرغم من ذلك، بدى تراجع "التيار" في المدينة فاضحًا، تراجعت كتلته التصويتية مقارنةً مع 2022، وبالتالي، يمكن القول إن الفوز ما كان ليتحقق لولا الدعم الذي تلقاه من عدة شخصيات جزينية.
يقف اليوم باسيل على بعد خطوات قليلة من الانتخابات النيابية، محاولا تغطية عجزه الشعبي من خلال ما بدأ يتكشف من تحالفات غب الطلب للمحافظة على مقاعده النيابية، ومحاولتاه بالتلاعب في خطابه الموجه ضد حزب الله فيبدو أحيانا مع نزع السلاح وأحيانًا أخرى مدافع عن الحزب.
هذه الانتخابات ستفضح عجزه، خصوصا بعد سلسلة استقالات في "التيار"، كان أهمها استقالة النواب الأربعة، فهل سينجح باسيل في استقطاب الصوت المسيحي عبر توجيه منصاته الإعلامية ومن هم في فلكه للتصويب على جعجع، مسترجعًا سلاحه القديم-الجديد، وهو التفتيش بدفاتر الحرب الأهلية، وصناعة هشتاغات لا تمت بالواقع بصلة للتصويب على "القوات"، بدلا من محاولة صياغة انتقادات فعلية، كانتقاد أداء وزراء القوات أو انتقاد الأداء السياسي للحزب؟
لننتقل إلى رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية:
لم يعد الوزير فرنجية قادرًا أن يجاري الظروف المحيطة، بدءاً من انهيار حليفه الأول في المنطقة بشار الأسد، وصولا إلى وضعه خارج المعادلة السلطة الجديدة بعد أن وُعد بوزير من حصته، الى أنّ خرجت التشكيلة الحكومية بإقصاء كل الرموز السابقة بما فيهم هو، وليس انتهاءً بضعف شعبيته في زغرتا والشمال.
انتصارًا يتيما حصده فرنجية في الانتخابات البلدية الأخيرة في مدينة زغرتا، معقله التاريخي، مقابل تراجع بعدد كبير من البلديات في قرى القضاء، خسارة 9 بلديات لصالح معوض بعد أن كان للأخير بلدية فقط في انتخابات 2016 .
اخفاق فرنجية بدء يتكشف منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، حين تمكن خصمه ميشال معوض أن يتفوق عليه بعدد الأصوات التفصيلية في قضاء زغرتا، اخفاق بات واضحا اليوم، لذا أصبح فرنجية منفتح على اي تحالف نيابي حتى ولو كان مع النائب جبران باسيل كي يضمن مقعد نجله النائب طوني فرنجية في زغرتا.
في المقابل، يُدرك فرنجية أنّ خصمه في دائرة الشمال الثالثة هي "القوات اللبنانية" وسمير جعجع الى جانب معوض في زغرتا، خصوصا أن "التيار" أصبح خارج المعادلة التنافسية في الدائرة، ومع حصول مرشح "القوات" في زغرتا على 4 آلاف صوت تفضيلي في الانتخابات النيابية الأخيرة (مّرشح الرقم للازدياد في الانتخابات المقبلة) وهو تقريبا نصف عدد الأصوات التفصيلية التي حصدها طوني فرنجية (8,9 آلاف)، انذار بدأ يخيفه خصوصا بعد أن كان حزب "القوات" بعيدا عن معارك القضاء، عبر انحصار معاركها بين كل من آل فرنجية وآل معوض.
لذا بدأت محاولاته تفعيل ما اعتاش عليه طيلة تاريخه السياسي، وهي المظلومية، وتذكير الزغرتاويين بالمشاهد المأساوية في الحرب الأهلية ومجزرة اهدن، عبر تصوير محاولات "القوات" بالتواجد انتخابيا في وغرتا، أنها هجمة من جعجع على اهدن تشبه تلك الهجمة على قصر طوني فرنجية سنة 1978 ، متجاوزا أنه صافحه في بكركي سنة 2018 بمباركة بطريركية، محاولا حينها فتح علاقات سياسية معه من أجل الوصول إلى قصر بعبدا.
عصر استعطاف الناس عبر استرجاع مشاهد الحرب الأهلية لم يعد يجدي نفعا خصوصا مع جيل الشباب، الذي أصبح مهتما بتطوير حياته ومستقبله، من خلال التعلم وتطوير مهاراته العلمية والعملية مع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، فيبحث هذا الجيل عمّن يملك رؤية خططا لتطوير الدولة. عبر الاعتماد على الحوكمة الحديثة وتحسين أداء الوزارات والإدارات العامة.
أخيرا، إنّ الخلاف السياسي والمعارك الإعلامية مطلوبة بين الأخصام، والتنافس هو "الطبيعي" في نظام ديمقراطي مثل النظام اللبناني، لكن ما هو غير مبرر أن تصافح خصما سياسيا، أو تتحالف معه أحيانًا، وتتفقوا على انهاء كل ملفات الحرب المأساوية، ثم بعد ذلك، ومع كل استحقاق انتخابي تحاول أن تعيد طرح هذه الملفات على الساحة الانتخابية طمعًا ببعض الأصوات من هنا وهناك.