المخرج رمال أبي يونس

وليد عبود.. رسالة مفادها (رصاصة بلا صوت)

5 دقائق للقراءة

في بلدٍ يُفاخر بأنه "وطن الحريات"، يعود شبح الترهيب ليخيّم عليه من جديد، فتهديد الإعلامي وليد عبود بالقتل والخطف ليس حادثة معزولة، بل هو امتداد لمسار طويل من محاولات إسكات الصوت الحرّ وإعادة لبنان إلى زمن الوصاية الأمنية، حيث الكلمة تُراقَب والرأي يُعاقَب.



هي حلقة جديدة في سلسلة الترهيب والقمع بدأت مع جبران تويني وسمير قصير ومي شدياق ولقمان سليم ومرسال غانم وصولا الى وليد عبود، وتستمر مع كل صوت حرّ يجرؤ على مواجهة منظومة السلاح والفساد.



لم يعد لبنان تحت وصاية نظام واحد كما في زمن الاحتلال السوري، بل أصبح ساحة مفتوحة لـ (شلّة) تفرض إرادتها بالتهديد والوعيد، من حزب الله إلى حلفائه المحليين، ومن المجموعات التي ترفع رايات "المقاومة" إلى جماعات تلوّح بأسماء وهمية كـ"أنصار الله" ولكنهم كلهم يسيرون على درب واحدة ويشتركون في لغة واحدة : إرهاب الكلمة الحرة.



ليست المرة الأولى التي يُستهدف فيها الإعلاميون في لبنان، فجبران تويني اغتيل بعد أن أقسم أمام اللبنانيين أنه سيبقى وفيًّا لقضية الحرية والسيادة، وسمير قصير قُتل لأنه حمل قلمه في مواجهة الاستبداد ولقمان سليم الضحية الأوضح لمرحلة الوصاية الجديدة وصاية حزب الله فاغتياله رسالة مباشرة بأن الكلمة الحرة ما زالت تُعتبر جريمة، وأن من يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها يُقتل في وضح النهار.



ومي شدياق التي دفعت ثمن رسالتها بمحاولة اغتيال فجّرت جسدها لكنها لم تُفجّر إرادتها ومرسال غانم الذي حوصر واستُدعي أكثر من مرة لأنه فتح منبره للنقاش الحر، واليوم أتى دور وليد عبود فيتلقى تهديدًا علنيًا بالقتل، في مشهد يعيد كتابة التاريخ الأسود نفسه بحبر جديد.



فإن سألنا لماذا يُستهدف الصحافي؟ لأن الكلمة الحرة أشد وقعًا من السلاح فهي تكشف، تُحاسب، وتفضح منظومات الفساد والوصاية، والإعلامي حين يكتب أو يتكلم، يهزّ أركان سلطة قائمة على الخوف والتعتيم، لذلك يصبح الصحافي في لبنان شاهدًا مزعجًا واساسيا، والمطلوب دائمًا: إسكات الشاهد وترهيبه وقمعه وحتى ان اضطر الأمر الى إغتياله.



فبالأمس، كان الخوف يأتي من أجهزة أمنية مرتبطة بالوصاية السورية، أما اليوم، فالتهديدات تحمل تواقيع جماعات مسلحة أو مجهولين يختبئون خلف بيانات رديئة، لكن النتيجة واحدة: محاولة إخضاع الإعلام لرقابة الخوف.


الفارق الوحيد أن لبنان اليوم يعيش في فوضى تعددية الوصايات، حيث السلاح يتقدّم على القانون، والتهديد يحلّ محلّ العدالة والخطر ليس على وليد عبود وحده، ولا على أي إعلامي بمفرده.


فالخطر الحقيقي هو على حرية الصحافة كقيمة، وعلى لبنان كدولة، فحين يُرعب الإعلام، تُكمّم كل المؤسسات، ويتحوّل المجتمع إلى صدى واحد لخطاب السلطة أو الميليشيا فالإعلام الحرّ هو آخر جدار السلطة الصامدة بين المواطن والانهيار الكامل.



لا يمكن لأي تهديد أن يحصل في لبنان خارج غطاء السلاح الأكبرفالرسائل الموقّعة باسم "الحوثيين" ليست سوى امتداد لثقافة التخويف التي يمارسها الحزب وحلفاؤه، وحين تُترك ورقة تهديد بالقتل أمام منزل إعلامي، فهذا يعني أن الدولة غائبة عمداً، وأن الأجهزة الأمنية تخضع لمنطق المحاصصة والوصاية السياسية ولكن هل فعلا هذا صحيح ؟ خاصة اننا في عهد الرئيس جوزف عون الذي يحاول جاهدا بناء الدولة بأركانها ومؤسساتها وهومن قام بتعيين الأكفاء من ضباط ووزراء لضبط الأمن وبسط الأمان... نحن فعلا نعيش في زمن يسيطر عليه التناقض بشكل كبير.



ولكن المعادلة واضحة من يسكت الإعلام يسكت لبنان فإسكات الإعلامي يعني إسكات المجتمع والرسالة اليوم إلى كل صحافي لبناني: "إما أن تخضعوا لسطوة الميليشيا أو تدفعوا الثمن" هذا ليس تهديدًا لعبود وحده، بل إعلان أن الحرب على حرية الصحافة في لبنان لم ترفع راياتها البيضاء يوما بل السوداء دوما وهي مستمرة دون أي رادع ام إستسلام.



لبنان يعود بسرعة إلى زمن الرعب، نفس الأسلوب، نفس الترهيب، نفس الدم الذي سُفك بالأمس يُهدَّد اليوم بسفكه مجددًا

ولكن الفرق الوحيد أن الشعب بات يرى الفاعلين بوضوح فتهديد عبود ليس مجرد ورقة، بل رسالة إلى كل صحافي في لبنان: "إما الصمت وإما الموت" فالجمهورية القوية تُختطف بالكلمة الممنوعة، لكن ما لم يفهمه القامعون بعد هو أن الحرية لا تُغتال، بل تتجدّد مع كل قلم يكتب ومع كل صوت يرفض أن ينكسر.



وعلى السلطة أن تتحمّل مسؤولياتها كاملة، وإلا ستتحوّل إلى مجرّد شاهد زور في جنازة حرية التعبير فالإعلاميون ليسوا وحدهم، بل هم ضمير لبنان الحيّ، وإن سقط هذا الضمير سقط الوطن بأسره

فإذا لم تتحرك الدولة بكل مفاصلها وتفاصيلها فورًا، فسنكتب قريبًا افتتاحيات جديدة ليس عن "تهديد" صحافي، بل عن اغتيال جديد وعندها لن يبقى من شعار "لبنان وطن الحريات" سوى قبر محفور على جثة الحقيقة.



وليد عبود... الأستاذ والزميل والصديق

من إعتادت كلماته أن يزلزل الأرض لن يحني رأسه ويخاف من الشياطين يوما بل يرفع رأسه للعلا ويهاب عظمة رب السموات.