د. نبيل خليفة

قانون الانتخاب اللبناني (حلقة ثانية)

7 دقائق للقراءة
من الضروري إعادة النظر في نسبة الدوائر

"إن صحة التمثيل السياسي وفعاليته لشتّى فئات الشعب وأجياله" كما تطرحها وثيقة الوفاق الوطني أي اتفاق الطائف، تطرح في الوقت عينه السؤال الأساسي وهو: من هي هذه الفئات المطلوب تمثيلها في قانون الانتخاب هل هي: الأفراد أم الأحزاب أم التيارات السياسية أم الجماعات أم المنظمات أم الفئات أم الطوائف؟


1- يتألف الشعب اللبناني من مجموعة طوائف عددها 18 طائفة، من الوجهة الاجتماعية هي جماعة منظمة من الناس يمارسون معتقدًا دينيًا معينًا. إنها إذن تجمّع ديني في الأصل والممارسة والغاية.


2- ويذهب معظم الباحثين في المسألة اللبنانية إلى أن الشعب اللبناني يتألف من مجموعة طوائف هي الواقع الجماعي الأول في لبنان، لأنّ الكيان الخاص لكل طائفة أنتج شعورًا طائفيًا وولاءً طائفيًا هما الأكثر أهمية وتأثيرًا لدى كل الطوائف. بحيث أصبح يصح القول عن الدكتور ناصيف نصار "أن التاريخ اللبناني هو تاريخ جماعات طائفية".


3- تتقارب الطوائف اللبنانية من حيث نظرتها إلى وجودها الجغرافي، فهي اختارت لبنان الجبل المحصّن طبيعيًا ليكون معقلاً لضمان حرّيتها وأمنها. ولذا يسميه ميشال شيحا "الأرض الموعودة للأقليات المضطهدة".


4- على أن هذه الطوائف تنتسب بشكل عام إلى الديانتين المسيحية والإسلامية. وتختلف من حيث حجمها الديموغرافي على الساحة اللبنانية، وانتشارها الجغرافي على الخريطة اللبنانية وعلاقاتها الداخلية والإقليمية والخارجية، وهذا التنوّع في الخريطة البشرية اللبنانية جعل من تاريخ لبنان تاريخ جماعات طائفية متساكنة ومتفاعلة ومتناحرة.


5- يمكن القول، بل الجزم، إن السلطات اللبنانية في زمنَي الانتداب والاستقلال، قد تبنّت الأيديولوجية الطائفية أي التعايش الطائفي المعروف بالعيش المشترك على قاعدة ثنائية: التسوية والتوازن بين الطوائف كمدخل للاستقرار السياسي. ولذا اجتهدت معظم القوى السياسية في صياغة قوانين انتخابية تحقق التمثيل الأفضل للطوائف .


6- هذا لا يمنع العمل لدى بعض القوى السياسية من أجل قيام مجتمع علماني خارج النظم الطائفية. ولكن هذا التوجه ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الواقع الطوائفي اللبناني فلا يزيد الشرخ بين الطوائف وألّا يكون أشبه بما وصفه به أحد الكتَّاب: "بمثابة غطاء علماني على طنجرة طائفية". ذلك أن المطلوب في إزاء الطائفية كظاهرة اجتماعية كلية ثلاثة مواقف ممكنة:

- إما القبول بالطائفية كفلسفة حياة.

- وإما رفضها وقيام مجتمع على أساس علمي علماني.

- وإما تخطي الطائفية كما طرحه ميشال شيحا

le dépassement du confessionnalisme.

وهو حلّ وسط يقوم على اعتماد التسامح واحترام ذاتية كل مجموعة وهنا يتطلب ثلاثة أمور أساسية:

• قيام قيادة جماعية في السلطه تمثل كافة الفئات.

• شعور كل طائفة بواجباتها تجاه كافة الطوائف.

• احترام خصوصيات كافة الطوائف.


7- لقد تم احتواء النزاعات الطائفية بإعطاء كل طائفة حقها في المقاعد النيابية مسبقًا وبصورة ثابتة. ولذلك:

- قسَّم قانون الانتخاب المقاعد التمثيلية ولم يقسّم الناخبين.

- حصر التنافس على المقعد النيابي بين مرشحي الطائفة الواحدة وليس بين مرشحين من طوائف مختلفة.

صحة التمثيل النيابي وفعاليّته في نظام طائفي!

حدّدت وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) سبعة أفكار أساسية:

أ‌) ضرورة وضع قانون انتخابي جديد للبنان .

ب‌) يكون جغرافيًا على أساس المحافظة.

ج) ويكون اجتماعيًا على أساس الحياة المشتركة للطوائف.

د) ويؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله.

ه) كما يؤمن فعاليّة ذلك التمثيل.

و) وذلك بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري للبنان.

ز) وذلك في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات.

هذه المستلزمات تستدعي قيام نظام انتخابي يجمع بين الحرية والوحدة.

1. إن الطوائف اللبنانية الكبرى الست متمركزة في مناطق جغرافية معيّنة في لبنان فتشكّل "نواتها الصلبة" ومن ثم في بقية المناطق. أليس هذا هو وضع الموارنة والسنة والشيعة والأرثوذكس والدروز والكاثوليك. أما الطوائف الصغرى فعادةً ما تكون في المدن.


2. إن صحة التمثيل لكل طائفة تتأمّن بمقدار ما تجمع بين قاعدتها الصلبة من جانب، وامتدادها مع بقية الطوائف من جانب آخر. أي بين خصوصيّتها من جانب وكونها جزءًا من كل من جانب آخر فلا تنزع نحو الانغلاق بفعل حريتها ولا نحو الذوبان بفضل وحدتها. وبمثل هذا التوازن داخل الطوائف يتحقق التوازن داخل الوطن كله.


3. إن الدائرة الفردية هي أفضل إطار جغرافي لممارسة الديمقراطية بشهادة كل الديمقراطيات العريقة في العالم. لكن وثيقة الوفاق الوطني اختارت أن يكون قانون الانتخابات النيابية في لبنان على أساس المحافظة بعد إعادة النظر في التقسيمات الإدارية أي في تركيبة المحافظات الخمس.


4. تبقى بيروت محافظة واحدة بثلاث دوائر انتخابية كونها العاصمة وبالتالي تعبيرًا عن وحدة الدولة من خلال عاصمتها الموحّدة. أمّا المحافظات الأربع الأخرى: الجبل والشمال والبقاع والجنوب، فتنقسم كل واحدة منها إلى ثلاث محافظات (4 × 3 = 12 ) محافظة + منطقة بيروت.

تبرز هذه القسمة للمحافظات مبدأ النواة الصلبة للطوائف الكبرى وهي: الموارنة والسنة والشيعة (3 لكل منها) وواحدة لكل من الأرثوذكس والدروز والروم الكاثوليك. وهكذا يصبح لبنان الانتخابي قائمًا على ثلاث عشرة محافظة ( 4 × 3 + بيروت) على أن تكون العاصمة في ثلاث دوائر انتخابية وغير مقسّمة إلى محافظات.


- محافظة بيروت بثلاث دوائر انتخابية.

أولى: تشمل الأشرفية، الصيفي، المدور والرميل نواتها أرثوذكسية 7 مقاعد.

ثانية: تشمل المصيطبة، المزرعة، الباشورة نواتها سنية 7 مقاعد.

ثالثة: تتمثل برأس بيروت، عين المريسة، مينا الحصن المزرعة، المرفأ وزقاق البلاط رمادية 5 مقاعد

19 مقعدًا.


- محافظة الشمال

أولى: تشمل عكار سنية 7 مقاعد.

ثانية: طرابلس، الضنية والمنية سنية 10 مقاعد.

ثالثة: البترون، الكورة، زغرتا، بشري مارونية 11 مقعدًا.

28 مقعدًا.


- محافظة جبل لبنان

أولى: تشمل جبيل، كسروان، مارونية 8 مقاعد.

ثانية: المتن وبعبدا مارونية 14 مقعداً.

ثالثة: الشوف وعاليه درزية 13 مقعدًا.

35 مقعدًا.


- محافظة البقاع

أولى: الهرمل شيعية 10 مقاعد.

ثانية: زحله وقضاؤها كاثوليكية 7 مقاعد.

ثالثة: البقاع الغربي وراشيا رمادية 6 مقاعد.

23 مقعدًا


- محافظة الجنوب

أولى: صور وبنت جبيل شيعية 7 مقاعد.

ثانية: النبطية، مرجعيون، حاصبيا شيعية 8 مقاعد.

ثالثة: صيدا الزهراني جزين رمادية 8 مقاعد.

23 مقعدًا

المجموع العام 128 نائبًا

من الضروري إعادة النظر في نسبة الدوائر كالموارنة مثلاً إذ إن نسبتهم داخل المسيحيين هي 35 % وليس 34 % وهو ما يعني أن عدد نوابهم هو 35 وليس 34 نائبًا وتوزيعهم يكون في مناطق الكثافة كالبترون وجبيل وليس في طرابلس وهو يعني أن المبدأ الذي أخذنا به في عملية توزيع المقاعد النيابية على المحافظات يصح أيضًا.


6- ينبغي أن ينص قانون الانتخاب على حق اللبنانيين المنتشرين في انتخاب نواب الأمة الـ 128 بحسب انتمائهم إلى المناطق الانتخابية والانتماء الطائفي.


من الضروري إنشاء هيئة مستقلة للانتخابات تكون مسؤولة عن إدارة كامل العملية الانتخابية من البداية حتى النهاية.


7- إن الديموغرافية ليست مجرّد مبدأ للتصويت بل هي نظام حياة جوهرية إيمان بحق الشعب على أن يكون سيَد نفسه وبالتالي فالمجتمع هو مصدر التشريع في كل ما تتطلبه الحياة المدنية وليس الدين، فلا تكليف شرعيًا ولا فتوى ولا استخدام لسلطة المقدس لتنظيم العملية الانتخابية.


8- تحدد لجنة خاصة أمور المصاريف المالية للانتخابات، كما يحدد مرسوم خاص محددات العلاقة بين الانتخابات ووسائل الإعلام.

في الخلاصة، أي قانون للانتخاب في مجتمع معيّن ينبغي أن يسمح بأن تعبّر كل القوى المكوّنة لهذا المجتمع بشكل ديمقراطي عن دورها السياسي وحضورها بما فيها المرأة والشبيبة ما يعكس حقيقة التوازنات في هذا المجتمع من خلال صحة التمثيل. لقد كان الانتقال من حكم الفرد إلى حكم الأكثرية قفزة نوعيه في الحياة الديمقراطية. أما اليوم كما يقول الدكتور منوال يونس "فلم تعد الديمقراطية رهانًا على حكم الأكثرية، بل أصبحت رهانًا على حكم الجميع في مواجهة طغيان قاعدة العدد". أجل إن التمركز على الخريطة اللبنانية لم يتم صدفةً أو دفعة واحدة بل مرّ بمراحل وعقبات عبر التاريخ. أجل إن الجغرافيا هي عنصر جوهري في قانون الانتخاب وأن كل جماعة تستمد هويتها من الأرض التي تقيم عليها وكل محاولة لإخراجها من الجغرافيا هي محاولة لإخراجها من التاريخ.