الدكتور سايد حرقص

اتفاق "قاعة مار مخايل" كما لم يقرأه أحد

3 دقائق للقراءة

يعيش الجنوب اللبناني اليوم حالة من الغليان الميداني والسياسي، تتقاطع فيها الأحداث الراهنة مع مشاهد من تاريخ قريب لا يزال ماثلاً في ذاكرة اللبنانيين. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يشبه الجنوب اليوم المناطق التي كانت خاضعة لميشال عون عام 1990؟



في أواخر الثمانينات، كان لبنان على صفيح ساخن. بعد فشل العماد ميشال عون في حروبه المدمرة، حوّلت آلة الدعاية المخابراتية التابعة له الغضب الشعبي في المناطق الخاضعة له آنذاك ضد البعثات الدبلوماسية الغربية والعربية. تحولت السفارات في نظر أتباع عون الى رموز "للخيانة والعمالة" والى بؤر استخباراتية هدفها إسقاط حكم عون وإضعاف جيشه وإذلال جمهوره.



اليوم، يتكرر المشهد نفسه في الجنوب، حيث شهدنا تحركات من الأهالي المحسوبين على بيئة "حزب الله" ضد قوات الطوارئ الدولية. فمكنة الحزب الدعائية تتهم اليونيفيل بتجاوز مهامها، والانحياز للعدو الإسرائيلي، بل تذهب أبعد من ذلك بوصف عناصرها بأنهم "مخبرون" للعدو مما ادى الى صدمات بين اليونفل والأهالي. أليست هذه صورة تكاد تتطابق مع التحركات الشعبية ضد السفارات عام 1989؟



سنة 1989 قصفت قوات الاحتلال السوري ما سُمّي بـ"السفارات الأمنية" لدفعها للرحيل ورفع اي غطاء دولي عن المنطقة الخاضعة لعون واليوم تقوم إسرائيل باستهداف مواقع تابعة لليونيفيل أو محيطها، في رسائل مزدوجة: أولاً، لتقويض الثقة بالدور الدولي، وثانياً، لتأكيد أن الجنوب بات ساحة خارجة عن أي ضمانة أممية أو مظلة دولية.



المفارقة الأخطر تكمن في ما قد يحدث لاحقاً. ففي العام 1990، أغلقت السفارات الأجنبية أبوابها وغادرت البعثات الدولية لبنان، ولم يطل الأمر حتى اجتاح جيش الاحتلال السوري بشكل بربري المناطق الخاضعة لعون وأنهى مرحلة عون بالقوة. واليوم، يُطرح سؤال مشابه: بعد أن فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تجديد ولاية اليونيفيل وضيّقت على تمويلها، هل تنتظر إسرائيل انسحابها بفعل العجز المالي أو الرفض الشعبي أو الخسائر البشرية نتيجة الصدامات مع الأهالي والغارات الإسرائيلية؟



وهل يفتح هذا الانسحاب الباب أمام مشروع أخطر، يتمثل في تحويل الجنوب إلى "غزة 2": منطقة معزولة عن الدولة اللبنانية، محاصرة، تُقصف باستمرار وتُترك لمصيرها في صراع استنزاف بلا أفق، تمهيداً لاجتياح جديد على طريقة ما ورد في سفر التثنية: "تحرقون مدنهم وتدمرونهم عن بكرة أبيهم"؟



المقارنة ليست ترفاً أكاديمياً ولا مجرد إسقاط تاريخي، بل تحذير من تكرار المأساة. ففي كلتا الحالتين،يستغل قصر النظر اللبناني وتحلّ مكانه مصالح القوى الخارجية. وبين الأمس واليوم، يبقى الشعب اللبناني رهينة المراهنات الخاطئة والشعارات المضلِّلة، فيدفع من أمنه وكرامته ومستقبله.



متى يتعلم اللبنانيون من قول غسان تويني: "ادفنوا الموتى وانهضوا لبناء الوطن"؟. عجيب أمر اللبنانيين بعضهم تعلم كيف يدفن شهداءه ويكرمهم ويسعى جاهدا لبناء وطن يشبه أحلامهم بعضهم باع شهداءه في بزار السياسة والصفقات وتنكر لمعتقليه وبعضهم مازال يدفن شهداءه ونسي الوطن بين ضباب أوهام الإمبراطوريات الغريبة. اللعبة اليوم تتكرر : "جنون سياسي داخلي يلتقي مع حسابات إقليمية ودولية" ليحوّل لبنان ساحة حرب ودمار بالوكالة.



يبقى السؤال الكبير: هل سيتعلم اللبنانيون من دروس الماضي، أم أن التاريخ سيعيد نفسه بصورة أكثر قسوة وإجراماً في الجنوب؟