رفيق خوري

رهان خاسر في لعبة كبيرة

4 دقائق للقراءة

في مقال نشرته "فورين أفيرز" ينقل البروفسور ولي نصر قول القائد المسؤول في سوريا عن الحرس الثوري: "إن ما خسرناه في سوريا يتخطى ما لدينا على المحك في العراق ولبنان واليمن". وما سبق القول هو اقتناع الملالي وقادة الحرس الثوري الإيراني بأن "الهدف الحقيقي من الجهود الأميركية لإسقاط الأسد كان نهاية الجمهورية الإسلامية، وأن الحرس سيقاوم ذلك بكل الأثمان". لكن هذا الاعتراف، على دلالته اللافتة، ليس سوى حديث عن فصل لم يكتمل بعد في "لعبة الأمم". فلا وقف النار الذي فرضه الرئيس دونالد ترامب في حرب إسرائيل وإيران بعد القصف الأميركي للمنشآت النووية هو نهاية الحرب المرشحة لأن تتجدد في غياب صفقة نووية. ولا طهران تكتفي بالسعي للحد من الخسائر بمقدار ما توحي أنها تعمل لاستعادة ما خسرته ثم لتحقيق أرباح جيوسياسية واستراتيجية.


ذلك أن إسقاط نظام الأسد ليس معزولًا عما لدى إيران في العراق ولبنان واليمن، وبالتالي عن حرب غزة ولبنان. فهو نقلة كبيرة عن رقعة الشطرنج الإقليمي والدولي تقترب من تهديد "الشاه" في اللعبة. وليس ما حدث في حرب لبنان وغزة من دمار وضربات قاسية على "حماس وحزب الله"، وما لم يحدث في العراق بالنسبة إلى مشروع قانون الحشد الشعبي، وما اندفع ولا يزال يندفع فيه الحوثيون عبر تبادل القصف مع أميركا وإسرائيل سوى نقلات على رقعة الشطرنج في اللعبة الكبيرة. وهي تدار بحذف القطع التي تشكل حماية لـ"الشاه" قبل القول: " كش ملك". وبكلام آخر، فإنها تدور على إنهاء الأذرع المسلحة الإيديولوجية المذهبية التي صنعتها إيران في المنطقة وأغدقت عليها المال والسلاح للدفاع عنها وحماية مشروعها الإقليمي مع الإندماج فيه، تمهيدًا لإنهاء المشروع الذي يغيّر طابع المنطقة ثم لإسقاط النظام الإسلامي.


والسؤال ليس عما يراهن عليه "حزب الله" في رفضه القاطع لتسليم سلاحه إلى الجيش بل عن جدوى هذا الرهان على سلاح خسر دوره في مواجهة العدو الإسرائيلي، ولا دور له في مواجهة أميركا دفاعًا عن إيران، ولا يقدم للبنان سوى العزلة الدولية وإغلاق الباب على المساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار. وإذا كانت إيران مستمرة في المكابرة وادعاء القدرة على ما يسميها المرشد الأعلى علي خامنئي "قيادة العالم في مواجهة أميركا"، فإن الواقع هو أنها مأزومة سياسيًا وماليًا وعسكريًا، ومرهقة بالعقوبات الأميركية والأوروبية حتى قبل إعادة العقوبات الدولية من دون قرار في مجلس الأمن بسبب تفعيل الترويكا الأوروبية عبر الـ"سناب باك". ولا إنقاذ للنظام سوى صفقة مع أميركا من دون سلاح نووي ولا مشروع إقليمي ولا تجاوز للحدود في البرنامج الصاروخي.


ومن الوهم الهرب إلى الأمام في مواجهة التحولات المتسارعة الجارفة في المنطقة. والمشهد ناطق: رهن لبنان للسلاح والمشروع الإيراني لم يبقَ ممكنًا بعدما فكّت التحولات والأكثرية الشعبية والرسمية والأكثرية العربية والدولية الرهن. والرهان على الحشد الشعبي في العراق يصطدم بمواقف السنة والكرد والشيعة العرب الذين مرجعهم السيستاني، كما يصطدم بحاجة بغداد الى الاعتماد الأمني والاقتصادي على أميركا. والحوثيون في اليمن هم مشروع عودة إلى الإمامة، وثورة مضادة بعد عقود من الثورة وقيام الجمهورية.


ومن الأمور المحزنة والخطيرة أن يبدو "حزب الله" مستعدًا للمغامرة بإكمال العدو لحربه وتدمير السلاح والبلد بدل تسليم السلاح للجيش وإنقاذ لبنان واللبنانيين من كارثة عبر حصر السلاح في يد الدولة وما يفتحه من آفاق.


عام 1957 كتب الفيلسوف آشعيا برلين مقالًا جاء فيه:"المجتمع السوفياتي منظم ليس للسعادة والاكتفاء والحرية بل للقتال". ولا مجال أن يصبح لبنان جزءاً من منظومة ممانعة إقليمية منظمة للقتال فقط.