تقترب الذكرى السنوية لحرب أيلول 2024، والدمار ما زال شاهدًا حيًّا على همجية العدوان، الذي لم يُبقِ أخضر ويابسًا في القرى الجنوبية.
حرب قضت على الإرث الثقافي، والتاريخي، والتراثي لتلك القرى، فالنبطية وحدها دُمّر فيها نحو 143 منزلًا تراثيًا وتاريخيًا.
فما بالك بقرى الحافة الأمامية، حيث لم يبقَ منها سوى الذّاكرة... والمفتاح.
عامٌ مرّ، والتهجير ما زال قائمًا.
الدمار لا يزال رفيق الزائر نحو قرى المواجهة، التي تحاول أن تلملم جراحها شيئًا فشيئًا.
في بلدة حولا، المحظور على أهلها العودة الكاملة بسبب تمركز مواقع العدوّ الإسرائيلي على حدودها، والاستهدافات المتكرّرة، قرّرت الصيدلانية فيروز أن تتحدّى الواقع. نفضت الركام عن صيدليتها... وأعادت افتتاحها.
قرارٌ يحمل في طياته الكثير من الرسائل، تقول فيروز:
"فتح الصيدلية هو ردّ واضح على العدوان. والأهمّ من ذلك: يجب أن نعود... مهما حصل".
بين دمار لم يُرفع، وتهجير لم يُحسم، تبقى "العودة" فعل مقاومة… وجرح الجنوب، وإن تأجّل التئامه، لن يُنسى.
"يُحفز الناس على العودة... يُعطيهم جرعة اطمئنان، ولو بسيطة".
لكن، لم تسمح الاستهدافات المتكرّرة، ومنع إعادة الإعمار، أو حتى وضع بيوت جاهزة لتسهيل العودة، لكثير من أبناء القرى الحدودية بالرجوع إلى منازلهم.
الكلّ يفضّل البقاء في قرى النزوح على المخاطرة بالموت في استهداف مفاجئ، غير أن لفيروز رأيًا آخر.
فيروز، التي اتّخذت قرارًا جريئًا في ظلّ الدمار الذي يخيّم على بلدة حولا، البلدة التي لم يبقَ فيها إلّا عدد قليل من كبار السن والعائلات، تقول:
"ما فيني عيش إلّا هون... قررت أرجع، ولو ببيت مهدوم، بس كون حدّ الناس وساعد قد ما فيّي".
خسرت فيروز كلّ شيء: منزلها، صيدليتها، وحتى الروح التي كانت تتنفس بها كما تعبّر.
لكنها لم تستسلم، وعادت رغم كلّ التحدّيات، في وقتٍ تفتقد فيه مقوّمات الحياة الأساسية، ولا وجود حقيقيًا للخدمات أو البنى التحتية.
قبل عدّة أشهر، توقفت تعويضات "جهاد البناء" التي كانت تُقدّم للأهالي، وهو ما دفع بـ "تجمّع أبناء القرى الحدودية" للمطالبة بإعادة دفعها، خصوصًا في ظلّ النزوح الطويل والتهجير القسري.
هذه التعويضات كانت تُسهم في تغطية تكاليف الحياة اليومية، لكنها توقفت فجأة من دون تبرير رسميّ.
حتى بدلات الإيجار للمنازل المتضرّرة توقفت، ما وضع الأهالي أمام مفترق طرق خطير:
ما الذي ينتظرهم في ظلّ تصاعد وتيرة التهديدات والتلويح بتصعيد جديد؟ وأي واقع سيتحمّلونه؟
لا أموال للإعمار... ولا لتعويض الأضرار.
واقعٌ ينعكس مباشرة على الحياة في قرى الحافة الأمامية، حيث تكاد الحياة فيها تكون معدومة.
في صيدليتها المحاطة بالدمار، تنهمك الصيدلانية فيروز بترتيب الأدوية. لا تحتوي الصيدلية سوى على الأساسيات، فكما تقول:
"ما في أدوية كتير... بس الضروري، ما قدرت جهّزها كاملة لأنه لا في تعويضات، ولا في دعم. رمّمتها بإيدي، حتى ما إدفع كتير".
شغفها بالعودة وحبّها لأرضها، دفعاها لفتح صيدليتها وسط بلدةٍ مدمّرة، رغم كلّ الصعوبات.
ما أخّر عودتها كان وضع والدتها الصحّي، لكن ما إن سنحت لها الظروف، عادت.
من النادر أن ترى أحدًا يتجوّل في بلدة حولا.
الحاجّة نوال نصراللّه من القلائل الذين قرّروا البقاء رغم كلّ شيء. تجاعيد وجهها تحكي حجم المأساة، تقول:
"ما مرق علينا دمار متل هيدا... لما فتحت الصيدلية، حسّينا بشي أمان... لأنّي ما عندي سيارة، وما بقدر دوّر عالدواء برّا".
الحياة في قرى الشريط الحدودي اتّخذت منحى جديدًا بعد الحرب.
عودة بعض أصحاب المهن الصغيرة لفتح محالّهم بين الركام، ولو لم يحضر أحد، هو فعل صمود بحدّ ذاته.
في بلدة عيتا الشعب، الملاصقة للحدود والتي تتعرّض لاستهدافات يومية، تجرّأ محمد طحيني وعمه على فتح مركز لطب الأسنان.
بلدة عيتا الشعب كانت قبل الحرب مركزًا طبيًا مهمًا في قضاء بنت جبيل، وكانت مقصَدًا لأهالي قرى: راميّا، بيت ليف، دبل، عين إبل، رميش، وغيرها، لما عُرف عنها من جودة في طب الأسنان وكثرة العيادات.
عودة هذه العيادات، ولو جزئيًا، في قلب الدمار، قد تكون الخطوة الأولى لاستعادة نبض الحياة.
فالعودة فعل مقاومة، والإصرار على الحياة، رغم الموت الذي يحوم فوق الرؤوس، هو التحدّي الأكبر.
في المركز الذي لم يمضِ على افتتاحه شهرٌ واحد، يعمل الطبيب محمد طحيني، الذي قرّر كسر الصمت والخراب في بلدةٍ لا تزال ركامًا.
بدأ الأهالي يتوافدون إليه، ويقول طحيني: "فتح المركز يشجّع الناس على العودة... الجميع ينتظر من يأخذ الخطوة الأولى".
عودة نحو 30 عائلة إلى البلدة، بالإضافة إلى مراجعين من رميش وبنت جبيل والقرى المجاورة، كانت حافزًا كافيًا لطبيب الأسنان لإعادة فتح مركزه الطبي في بلدة عيتا الشعب، رغم أنها لا تزال ضمن المنطقة المحظورة أو "العازلة"، ما يجعل قراره مغامرة حقيقية.
يضيف طحيني: "رغم الخطر القائم، فتحنا المركز لنؤكّد أن هذه الأرض لنا، ولن نغادرها. رؤية المرضى يدخلون إلى مركزي في عيتا المدمّرة، تبثّ الحياة مجددًا وتثلج القلب".
قرار العودة ليس سهلًا...
فكثيرون من أبناء القرى الحدودية لا يزالون يحدّدون مسار حياتهم بعد عام من حرب مدمّرة، ويعيشون بين حنين الأرض وقلق التهجير المستمرّ، وسط غياب واضح لأي دعم جدّي.
بعضهم غامر، وفتح مصالحه في بلدات لم يبقَ منها سوى الحطام، وآخرون ما زالوا يتريثون، ينتظرون التعويضات من الدولة أو من مؤسسات مثل "جهاد البناء"، حيث يُطرَح سؤال كبير: "لماذا توقّفت التعويضات؟ ولماذا صُرفت لفئة دون أخرى؟".
وإلى حين حسم القرار...
تبقى الحياة في تلك القرى معلّقة على خيار العودة.
