قبل يوم واحد فقط من الذكرى الـ 24 لاعتداءات 11 أيلول 2001 الإرهابية، سقط الناشط المسيحي المحافظ تشارلي كيرك (31 عامًا) شهيدًا على مذبح الحرّية والحقيقة بـ "رصاصة كراهية" اخترقت عنقه وأنهت حياته. صحيح أن تلك الرصاصة ومطلقها ومَن خلفه، إن وجد، ومَن بارك عمله الدنيء واحتفى به، اغتالوا كيرك، بيد أنهم لا يستطيعون قتل الأفكار التي دافع عنها وقارع طلّاب الجامعات بالحجج البالغة والمنطق السليم لإقناعهم بها.
للمفارقة، أُصيب المدير التنفيذي للمنظمة الشبابية المحافظة "نقطة تحوّل الولايات المتحدة الأميركية"، برصاصة قناص خلال إجابته على سؤال حول مطلقي النار المتحوّلين جنسيًا ومطلقي النار الذين يتسبّبون بسقوط ضحايا كثر. تلقى كيرك "رصاصة الغدر" أثناء نقاشه مع طلّاب خلال تجمّع حاشد في حرم جامعة "يوتا فالي"، حيث كان يُشارك في المحطّة الخريفية الأولى ضمن "جولة العودة الأميركية"، التي تتخلّلها زيارات لجامعات في أنحاء البلاد، لنشر القيم المسيحية المحافظة في أوساط شباب "جيل زد".
ينحدر المسيحي الإنجيلي كيرك من إحدى ضواحي شيكاغو، وهو متزوّج من ملكة جمال أريزونا السابقة إريكا، ولهما طفلان: ابنة في الثالثة من عمرها، وابن في عامه الأوّل. لطالما روّج كيرك لمفهوم العائلة التقليدية الذي يجسّد "الصخرة الصلبة" التي شيّدت عليها مداميك الولايات المتحدة. كان كيرك يعتبر أن "الحلم الأميركي" يتجلّى بإمكانية شراء منزل وتأسيس عائلة وتحقيق الذات في أجواء من الحرّية والازدهار والأمن، لكنه حذّر من خطر "يساري - إسلامي" داهم يُهدّد هذا الحلم.
ترك كيرك الصفوف الجامعية وأسّس منظّمته الشبابية عام 2012 وهو في سن الـ 18، لإطلاق حركة سياسية غايتها إعادة إحياء "الروح الأميركية" ونهج "الآباء المؤسّسين" ومواجهة كلّ أعداء الحضارة الغربية وهزيمتهم. لم يُخيّب كيرك آمال المحافظين، فقد جعل من "نقطة تحوّل الولايات المتحدة الأميركية" أكبر منظمة للشباب المحافظ في أميركا خلال مدّة قصيرة نسبيًا، وساهم عبر "ذراعها الانتخابية"، "نقطة تحوّل العمل"، بفوز حليفه الرئيس الجمهوري دونالد ترامب بالرئاسة في انتخابات 2024، خصوصًا أن منظّمته أدّت دورًا محوريًا في حسم نتيجة الولايات المتأرجحة لمصلحة ترامب بإطلاقها حملات طرق الأبواب وحشد الناخبين وإقناعهم أو تغيير آرائهم، واسعة النطاق، أثبتت فعاليّتها الباهرة.
تختصر الشعارات والرموز التي رافقت كيرك، قصّته وفكره وقضيّته. كان مقدّم "البودكاست" الشهير يرتدي خلال لحظاته الأخيرة قميصًا بيضاء اللون مكتوب عليها "الحرّية" باللون الأسود، وفوقه خيمة عريضة مدوّن على أطرافها "أثبت لي أنني مخطئ"، فيما وزّع كيرك على الحاضرين، قبل دخوله في نقاش فكري قطعته رصاصة "الفاشية الجديدة"، قبّعات عليها شعار حركة "ماغا"، أي "لنجعل أميركا عظيمة مجدّدًا". خاض كيرك مناظرات ومجادلات مطوّلة مع طلّاب ذات توجّهات متنوّعة، ولا سيّما أولئك أصحاب النزعة اليسارية المتطرّفة، تطرّقت إلى قضايا الهوية والهجرة غير الشرعية والسلاح والإجهاض والجندر والعرق وغيرها.
دافع كيرك بشراسة عن حق "الأجنة" في الحياة، كما كدّ على "انتشال" الشباب التائه من قعر "مستنقعات أيديولوجية" غريبة عن أميركا وقيمها. نجح في حصد عقول وقلوب كثيرين وكان له فضل كبير في جعل عدد لا يُستهان به من الشباب ينخرط في العمل السياسي وتعاطي الشأن العام. ودفع اغتياله المشؤوم، رفاقه، إلى التعهّد بحمل "الراية المقدّسة" التي استشهد من أجلها وإكمال مسيرته النضالية - التبشيرية.
وكما شكّلت هجمات 11 أيلول "نداء استيقاظ" لـ "جيل إكس" و"جيل الألفية"، ستشكّل تصفية كيرك في 10 أيلول 2025 كذلك "نداء استيقاظ" جديدًا يُعيد تكوين "الشخصية الجماعية" لشريحة وازنة من "جيل زد"، وستوقد بذلك "رصاصة الحقد" التي انتزعت روح كيرك، شعلة الحرّية في أعماق نفوس حرّاسها للتصدّي بضراوة للعقائد البالية و"الووكيسم" في "أرض الأحرار وموطن الشجعان"، كما يؤكد الناشطون اليمينيون.
تقف الولايات المتحدة اليوم أمام مفترق طرق مصيري مع تفشي عقلية الإلغاء وشيطنة الخصوم والاغتيال السياسي. أعاد كيرك، اختلفت أو اتفقت مع طروحاته، إحياء ثقافة "الاختلاف العقلاني" واستخدم الكلمة والمنطق لخوض حوارات فكرية وسياسية بناءة، وتحدّى "الآخرين" لمواجهته بالأسئلة والحجج ووجهات النظر المعارِضة، لتفنيدها ودحضها بجرأة وصراحة، في ذروة "الحرب الثقافية" التي سعى خلالها غلاة اليسار إلى إسكات الأصوات المحافظة، لكنه في نهاية المطاف قُتل برصاصة، لم يُطلقها القناص فحسب، بل جميع الكارهين أصحاب الضغائن اللامتناهية.
يتخوّف الوطنيون من انزلاق البلاد في دوّامة من العنف السياسي يصعب كبحها متى انطلقت شرارتها الحارقة، وهنا تترتّب مسؤولية تاريخية عظيمة على عاتق رفاق تشارلي وخصومه العقلاء على السواء، في كافة المواقع والمستويات، بنسف لغة الفوضى والغوغاء، ورفض الانحدار نحو العنف، احترامًا لذكرى كيرك وتكريمًا له. فهو الذي اختار الحوار لمنع المجتمع من سلوك مسار "الحرب الأهلية"، وحَمَل الكلمة وكان صوتًا من أصوات الحق الصارخة في برّية الجهلة... والقتلة. حارَب كيرك من كلّ قلبه دفاعًا عمّا يؤمن به حتى الرمق الأخير، و"خطِفَ" باكرًا. "جنود الحرّية" ازدادوا عددًا باغتيالِك. أرقد بسلام تشارلي كيرك.