اختلف اللبنانيون على كل شيء حتى على سرد الأحداث والقصص التاريخية. فقد حاول المؤرخ كمال الصليبي في كتابه المنشور عام 1988 "بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصور والواقع" تنظيف البيوت اللبنانية من "خيوط العناكب"، ودعا إلى مواجهة الخرافات والموروثات والتصورات المسبقة والتخلي عنها طواعية إذا كانت تضعف التعايش والوحدة الوطنية. كما طرح الباحث أحمد بيضون في كتابه "الصراع على تاريخ لبنان" الصادر عام 1989، ضرورة تحرير التاريخ من هيمنة الطوائف، وإخضاعه للبحث الأكاديمي النقدي. هذا المسار هو الشرط الأساسي لبلورة هوية وطنية جامعة ولحماية السلم الأهلي.
بناءً على ما تقدم، حاولنا الاعتماد على المصادر التاريخية الموثوقة في محاولة لفهم الحاضر. بحسب عدة مصادر، أُعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، لكن القيادات الشيعية يومها لم تحتضن الكيان الناشئ، بل انجذبت إلى وعود "الإمبراطورية العربية الكبرى" التي روّج لها الشريف حسين وأبناؤه، فتوهموا أن مستقبلهم سيكون أكثر إشراقًا في ظلّ وحدة عربية واسعة تمتد من الجزيرة إلى بلاد الشام. في حين هلّل الموارنة لإعلان لبنان الكبير، واعتبروا إعلان غورو هدية من السماء، تؤسس لبناء البلد الحر الذي حلموا به منذ عقود.
تجلّى الانبهار الشيعي بمشروع الدولة العربية الكبرى في اجتماع وادي الحجير يوم 24 نيسان 1920، الذي دعا إليه المرجع السيد عبد الحسين شرف الدين. حضر الاجتماع وجهاء وعلماء، ومن بينهم الشيخ أحمد رضا، والسيد محسن الأمين، و"ثوار الشيعة" مثل أدهم خنجر وصادق حمزة. وقف شرف الدين مخاطبًا الحضور قائلًا: "كونوا مع دولة العرب، ادفعوا عنها واحموها، وقفوا صفًّا واحدًا في وجه الاستعمار الفرنسي الذي يريد تمزيقنا." بهذا الخطاب، ربط شرف الدين مصير الشيعة بمشروع "المملكة العربية السورية" بقيادة فيصل، معتبرًا أن خلاص جبل عامل لا يكون إلا بالانخراط في حلم إمبراطورية عربية جامعة.
بينما عمّت الاحتفالات قرى المسيحيين تهليلًا بتحقيق هدف الوطن المستقل الذي حلموا به، وهذا ما زاد الشرخ بين الفريقين بعد أن كانوا في ظل الاحتلال العثماني يتقاسمون اللقمة والظلم.
على امتداد القرون، كان التعايش بين الشيعة والمسيحيين في جنوب لبنان سمةً بارزة. يشير المؤرخ وجيه كوثراني في كتابه "جبل عامل بين السلطنة العثمانية والانتداب الفرنسي" إلى أن القرى الجنوبية كانت تقوم على تكامل اقتصادي واجتماعي، حيث كان المسيحيون والشيعة يتشاركون الأرض والزراعة والأسواق، ويقفون معًا في وجه الإقطاع العثماني والضرائب الجائرة. بل إن بعض المصادر، مثل كتاب أحمد بيضون "الشيعة بين الأمس واليوم"، تؤكد أن "العيش المشترك في جبل عامل كان أوثق مما هو عليه في أي منطقة أخرى من لبنان، إذ جمعت الجيرة والخبز والملح المسلمين والمسيحيين في شبكة مصالح يومية لا تنفصم." لكن الاختراق الخارجي عبر أوهام الإمبراطوريات أعاد خلط الأوراق.
ففي عام 1920، حين ارتبط بعض قادة الشيعة بمشروع فيصل، وبدأوا النظر إلى المسيحيين على أنهم "حلفاء الفرنسيين"، ورويدًا رويدًا انتشرت ثقافة التخوين لكل من يخالفهم الرأي. تحدثت الصحف الفرنسية مثل Le Temps عن "توتر بين الموارنة والشيعة بسبب الخلاف على الهوية السياسية للبنان". وهكذا، بدلًا من أن تكون الشراكة التاريخية ركيزةً لبناء وطن، تحوّلت بفعل أوهام الخارج إلى شرخ داخلي.
بتشجيع من السلطة في الشام، عمد الثوار الشيعة إلى محاولة فرض جزية على المسيحيين وإجبارهم على رفع علم "المملكة العربية السورية" في قراهم. رفض المسيحيون الخضوع لهذين المطلبين. عندها، شنّت الميليشيات المسلحة الشيعية في 5 أيار 1920، وبتشجيع من السلطة في الشام، هجومًا على القرى المسيحية، خاصة عين إبل ورميش، مما أدى إلى سقوط حوالي 100 ضحية.
استغلّت فرنسا هذا الوضع لمصلحتها. فبعد سقوط فيصل في معركة ميسلون في تموز 1920، وجد الشيعة أنفسهم في مواجهة الفرنسيين وحدهم. قصف الفرنسيون بنت جبيل والنبطية، وأعدموا الثوار، وطاردوا قادتهم. ثم شنّ الجيش الفرنسي هجومًا عسكريًا كاسحًا بقيادة الجنرال نيجر على جبل عامل. مهّد الجنرال نيجر لهجومه بقصف مدفعي كثيف وغارات عنيفة من الطائرات الحربية، مما تسبب بدمار هائل وخسائر بشرية كبيرة. ساهمت هذه الأحداث التاريخية في إضعاف النفوذ الشيعي في الدولة اللبنانية الفتية.
اليوم يتكرر المشهد. فبينما يرفع حزب الله شعار "الدولة الإسلامية الكبرى" و"ولاية الفقيه"، يُتَّهم المسيحيون مجددًا بالعمالة إذا طالبوا بالحياد أو بالسيادة الوطنية. وكأن التاريخ يعيد نفسه: كلما انجذب قادة الشيعة إلى مشروع عابر للحدود، انقلبوا على شركائهم في الوطن.
كما سحر وادي الحجير قادة الشيعة بخطاب العروبة الكبرى، يسحرهم اليوم خطاب "ولاية الفقيه" ومشروع التوسع الإيراني. الأمين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصر الله، أعلن صراحةً: "مشروعنا الحقيقي أن نكون جزءًا من أمة تمتد من اليمن إلى العراق وسوريا وفلسطين، تحت راية الولي الفقيه." ويضيف الشيخ نعيم قاسم: "ولاية الفقيه بالنسبة إلينا ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل هي امتداد لقيادة الإسلام في زمن الغيبة." التشابه صارخ: مرةً مع حلم إمبراطورية عربية، ومرةً أخرى مع حلم إمبراطورية إسلامية. في الحالتين، يُستبدَل الولاء للبنان بولاء خارجي، وتُستبدَل الشراكة مع المسيحيين باتهامهم بالعمالة.
لقد دفع الشيعة ثمن خطأ عام 1920 تهميشًا وعزلةً، واليوم يهددهم خطأ مماثل بأثمان أفدح في ظل التحولات الإقليمية والدولية. إن مصلحتهم، كما مصلحة جميع اللبنانيين، لا تتحقق إلا بالتمسك بنهائية الكيان اللبناني، وبعقد اجتماعي جديد يضمن الدولة كمرجعية وحيدة. أما إعادة تكرار خطأ وادي الحجير بالانجرار وراء شعارات إمبراطورية، فلن يقود إلا إلى مأساة جديدة.