لوسي بارسخيان

مستشفى برالياس الحكومي… حلم أربعيني يتخبط بين الوعود والعقبات

5 دقائق للقراءة

عند مدخل بلدة برالياس، ثاني أكبر بلدات قضاء زحلة، يقف صرح استشفائي حلم به أبناؤها لعقود، ولكنه بقي عرضة لتقلبات وانتكاسات متتالية، إلى أن تُرك ينازع على أجهزة الإنعاش. فمنذ أن غادرت الطواقم التابعة لمنظمة "أطباء بلا حدود" التي أعادت إليه الحياة بين عامي 2016 و2021 ، للعمل في ساحات نزاع أخرى، لم تفلح المحاولات "المحلية" المتكررة، في إنعاش غرفه المجهزة لاستقبال 45 مريضًا، وثلاث غرف عمليات، وغرفة طوارئ، وقسم للأشعة وعيادات خارجية. الى إنتعشت الآمال مؤخرًا، مع اندفاعة المجلس البلدي ورئيسه في متابعة الوعود الانتخابية، بمساع جدية بذلت مع وزارة الصحة، وأسفرت عن توقيع على مشروع مرسوم يقضي بتحويل المستشفى إلى مؤسسة عامة، ما يسمح له بالتالي بميزانية مستقلة وإدارة رسمية.


بسرعة سلك مشروع المرسوم طريقه باتجاه مجلس الخدمة المدنية، ويرتقب أن يتابع مساره القانوني نحو التحوّل الى مرسوم كامل بعد اقراره في مجلس الوزراء وتخصيص الميزانيات التشغيلية له من ضمن موازنة العام 2026، ما لم يطرأ ما يعرقله مجددًا، خلافًا للوعود التي أطلقها وزير الصحة ركان ناصر الدين من برالياس، التي رحبت به إبنًا للبقاع وعارفًا بحرمانه، وزارها طبيبًا لا تعرف مهنته التفريق "لا في السياسة ولا الدين، بل تعرف الإنسانية وتتجاوز المناطقية."


العزم بمواجهة العقبات

التحديات كثيرة طبعًا، وأبرز العقبات يكمن في ميزانية وزارة الصحة، التي قال ناصر الدين أنه اطلع على مسودتها للعام 2026، وتبيّن له أنها لم تبلغ حتى الآن الطموحات برفعها الى ما كنت عليه في العام 2019 أي قبل الأزمة. بينما برأيه "لا يمكننا أن نؤمن الاستشفاء للناس بكلفة استشفائية أعلى، بحاجة أكبر، بمستشفيات جديدة وبكلفة أكبر، إذا كانت الموازنة أقلّ بسبعين مليون دولار عن العام 2019".

ومع ذلك يبدو العزم كبيرًا في الوزارة، تعززه مطالبات محلية مزمنة ومتنوعة عددها ناصر الدين في كلمته التي ألقاها بمناسبة تفقده لمبنى المستشفى، حتى لو تفاوتت الطموحات للمرحلة المقبلة بين فتح أقسام المستشفى بقدرة تشغيلية كاملة وفقًا لمساعي رئيس البلدية رضا الميس، أو البدء أقله بتشغيل قسمي الأشعة والطوارئ كما اقترح ابن البلدة النائب السابق عاصم عراجي "ومن بعدها تفتح أقسامها تدريجياً، كما في كل المستشفيات".

الحلم الأول

منذ العام 1980 ترجم أهالي برالياس رؤيتهم البعيدة بأن يكون لديهم صرح طبي يكون في خدمة أبناء المنطقة الذين يشكلون الطبقة الاجتماعية الأكثر ضعفًا وهشاشة.


بجهود "الخيرين" بني الصرح حينها، ووهب الى وزارة الصحة التي قبلت الهبة على أن تفتح مركزاً صحياً فقط.


خلال الحرب الأهلية شغل المبنى من قبل المهجرين الفلسطينيين المتواجدين حاليًا بأعداد كبيرة في البلدة، الى أن استعيدت الممتلكات المصادرة مجددًا بعهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري.


تجربة أطباء بلا حدود

ولكن دور الصرح كمركز طبي استشفائي لم يتبلور عمليًا، الا من خلال منظمة "أطباء بلا حدود" بين العامي 2016 و2021. تزامن إعادة تأهيل المستشفى حينها وتفعيل أقسامه، مع الحاجات الاستشفائية التي كبرت خصوصًا إثر استقبال برالياس لعشرات آلاف النازحين السوريين أيضًا.

فاستحقت "أطباء بلا حدود" في الكلمات التي ألقيت بمناسبة زيارة ناصر الدين كل الشكر، لما لعبته من دور أساسي في سد حاجات أهالي المنطقة، وبينهم الكثيرين ممن وصف مفتي البقاع علي الغزاوي حالتهم بأنهم "أناس ممن لا تستطيع المشافي الخاصة أن تحملهم، والمساعدات الفردية أن تقف معهم" وبالتالي بحاجة للدولة الحاضنة كالأم لا تستطيع أن تردّ أحداً.

النموذج الذي قدمته المنظمة بدا مشجعًا تمامًا. خصوصًا أن المستشفى الذي ذكر عراجي بالدور الأساسي الذي لعبه خلال جائحة كورونا قبل إقفاله الأخير، استقبل خلال هذه الفترة أيضًا أكثر من خمسة آلاف عملية جراحية باردة، وقدم خدمات الرعاية الأولية والاستشفائية لأكثر من خمس سنوات، قبل أن يدخل مجددًا في حالة من الموت السريري.


الأمل المتجدد

بدا مشروع المرسوم الذي وقعه ناصر الدين إذًا كجرعة أوكسيجين ضخت الآمال مجددًا في برالياس بتحقيق طموحاتها المزمنة. وإن كانت الكلمات قد أجمعت أيضًا على أنه ليس الا الخطوة الأولى، وما هو منتظر اليوم "هو إستكماله بإجراءات تنفيذية، لتأمين التجهيزات اللازمة والكوادر الطبية."

لم ينف وزير الصحة في المقابل "أن الحمل كبير والثقل أكبر لأننا أصبحنا بصلب الموضوع." ولكنه قال: "المرسوم أرسل الى مجلس الخدمة المدنية، ونحن ننتظر جوابا إيجابيًا، وسندفع ليكون هذا المستشفى صرحًا استشفائيًا حكوميًا يليق بهذه المنطقة، بإدارة رائدة، وبمجهود استشفائي يقدم الخدمة لمناطق الأطراف." وهو بالتالي وعد بأنه "عندما يقبل المرسوم ويعلن سيكون هناك عقد مباشر مع المستشفى، وسيرصد له سقف مالي معتبر. ولكن المسار يأخذ وقتًا".


فهل تصمد الوعود أمام العقبات هذه المرة، أم يبقى المستشفى حلمًا معلّقًا؟