"الطالبة الممسوسة والكاماسوترا!" عنوان جديد من الإصدارات الحديثة لـ "دار سائر المشرق"، وضعه الأستاذ الجامعي والكاتب بطرس محفوظ حبيقة. وحبيقة من مواليد بلدة بسكنتا، حائز إجازة في الحقوق اللبنانية وأخرى في الحقوق الفرنسية. أستاذ محاضر سابق في "كليّة القانون الكنسي - الحكمة" التابعة لـ "معهد اللاتران" في روما. وللكاتب، إلى مؤلَّفه الذي تنشر "نداء الوطن" فصلًا منه اليوم، العديد من المؤلَّفات القانونيّة وأخرى أدبيّة.
صاح عود وناح، وقال: هل تعرف شيئًا عن خبري؟ قد كنتُ غصنًا رقيقًا داخل الأغصان، مَنزِلًا للبلابل، أميل وجدًا، وفرعي أخضر. أتذكّر المياه التي سَقتْني، والشجرة التي نبتُّ منها، والأرض التي تربّيت فيها.
ويلاه... يشكو إليّ تملّله: رماني قاطعٌ على الأرض بلا ذنب، قَلَمني، وصيّرني عودًا يابسًا على فراش الضنى، ليس لي وهج. أتذكّر النجّار الذي برى عودي يراعةً يُكتب بها، وجلبني إلى التاجر قلمًا يُباع في المكتبات. ومثلي أمثالٌ من الأقلام! بِمَ تُعظّم شأنك يا قلم؟ فأصْلُك عود قتيل في الأغصان مُصبّر، ليس لك مائية حياة، والرائحة الطيّبة تنتشر من الأغصان بزهورها وثمارها، لا من العيدان المُنقصَفة.
رفقًا بحالك يا قلم، وعطفًا في شكايتك لي، فلن أترككَ عودًا مُنقصَفًا ومُصبّرًا. لا تهلكْ أسىً وتجمّلْ.
ينبض قلبي لأجل حياتي، وكذلك لأجل حياتك التي ليستْ إنسانًا آخر. أنتَ خفقٌ من قلبين تُمثّل في كامل شخصي كيانًا واحدًا.
نبْضان من نبْض واحد، لا حدّ لهما. يتماهيان، ويتناغمان، وهما التقاء النور بالنور. وقوفي وراءَهما، فتندلع شرارة ومَضات لَهَب، يهبط عليهما بها الوحْي. فينثني العود غصنًا ذا بهجة وجمال، من قدّه يزهو الثمر، ويتجدّد شبابه في غِلالة الشجرة الخضراء، قلمًا يخطّ في الوجود، ويملك مجامع الحسن، وتتّسع قدرته على الإنتاج والإبداع، فيفيض غديرًا، ويبدو شمسًا، ويفوح عبيرًا. في هواه، يغدو نثري وأبياتي.
آمل أن تجد يا قارئي في مؤلَّفاتي سبيلًا إلى ثماري، ولا عودًا في أرض بَلْقَعِ حلّ بها اليباس، فيفوت منّي كلّ ما أَمَلْته.
****
في جامعة، تخدم العلم خدمًا جليلة، من الجامعات التي تقاطرت إلى لبنان من الآفاق الأوروبيّة والأميركيّة على تعداد مِلَلِها ونِحَلها، ضجّة ما بين طلّابها، حيثُ هؤلاء يتلقّون علومها وفنونها ويتخرّجون رجالًا أكفّاء مقدامين طمّاحين إلى العلى، يعملون في ازدياد الحياة المعنوية والأدبية. ضجّة ... بُحَّ صوتها، تشتمّ منها رائحة الجنس إلى حدّ أقصاه، بيْدَ أنَّها مدوّية، أعظم من زمجرة الرعد، وإنْ لا تُزمجر. تنقر في الأذن نَظير قطرات، تسمو بها، وإنْ خافتةَ الجَرس، فوق هدير نهر جرّار عجّاج يتجاوب زاخره في الأودية. وفي الحديث عن الجنس لا نستطيع الصراخ.
تعجب من فصَاحة لسان هؤلاء الإباحيّ في كلامهم على فنّ أوضاع جنسيّة عرفوا أبوابها، واستخلصوا طرقها، يشرحونها بطريقة عصريّة منبسطة، تعزّز الأُلفة والإثارة بسرعة. وكلّ يزايد على كلّ للبروز أنّه، في قضايا الأنثى وخلْعها جميع ما يكون عليها من الثياب في المخدع، عليمٌ خبيرٌ، للوصول إلى علاقة جنسيّة مليئة بالحُبّ والمُتعة.
- إذا بطالب يُفاتح زميله بأنّه عرف مُؤخرًّا طريقة "وضعيّة اللوتس"، والمُترعة بالمفاجآت. ويرى أنَّ هذه الطريقة أكثر إثارةً من "الوضعيّة الرسوليّة" كما يُسمّيها البعض، ويُفضّلها كونها علاقة جنسيّة مُفعمة بشهوات لا يحصي أوصافها ناعتٌ ولا وصّاف.
- أنا أدرى بطريقة أحلى من الوضعيَّتين المُحكى عنهما، أجابه زميله، وهي "عناق الماء والحليب". ما يُمكّن من إنجاز هزّة الجماع من خلال الهزّ والدفع.
- بادَرَ ثالث، ماذا يقال عن ترادُف مُذْهل بين الشريكَين في "وضعيّة التوأمة". والموقف سيكون مؤاتيًا للجماع، ومُولعًا للشهوة.
- في هذا السياق بين شلّة من الطلّاب الجامعيّين، وتتابُعًا وجَدَ أحدهم امتيازًا في "وضعيّة المُحاذاة". هذه العمليّة هي جيّدة في تنشيط النظر وتحفيزه.
- لم يُوافق جامعيّ آخر الرأي على ما سمع من أمر وجود امتياز في "وضعيّة المُحاذاة". وأضافَ أنَّ "وضعيّة القارب" أفضل من التي ذُكرت، ولن يخرج عن طريقها التي اختارها. فقد أدهشته، وبالطبع تمتزج الآهات مع كلّ نفَس.
- زايدَ مُزايد، لا يُمكن استثناء "وضعيّة السلّة الرومانسية" التي تُشعر بالدوار من السعادة.
ووصَلَ الأمر ببعض الطلّاب إلى التحرّش كلاميًّا بطالبات اشتهى منهنّ القرب والتلاقي، لعلّ الحديث عن الأوضاع الجنسيّة يثيرهنّ، وتغلي شهوتهنَّ، فيضمن له أن يُوصله إلى بُغيته، ويُصيب حاجته الذكوريّة.
- أوقَفَ طالب زميلته بحضوره، وسألها: "هل تقبلين أن تتقلّبي في نعماء "الوضعيّة الفرنسيّة"، التي يستشعر فيها الشريكان النشوة الكبرى في صرخات الأنثى، وفحيح الرجل؟". غضبتْ عليه، وأعلمتْه: "ما تطلبه منّي لا أفعله. هذا الأمر فيه هتيكةٌ لي، وعيبٌ في حقّي. لا تستطيع التكلّم بهذا الموضوع معي، ولن أتقبّل ذلك منك". فاستضحكَ قائلًا: "إنّك طفلة لم تدرِ الهوى، ولستِ من أهل الحُبّ".
- دعا آخرٌ رفيقتَه إلى أن يعرفا معًا الوضعيّة الشهيرة، وهي أن يستلقيَ أحدهما، ويأتيَ الآخر فوقه مُعاكسًا، فيقابل كلٌّ منهما جزء الآخر الحميم. فتوجّهت إليه: "ليس لكَ منّي سبيل. ولستُ بتاركةٍ لأحدٍ أخْذَ فضيلتي. قد أرى نفسي في مذلّة، وهوان شديد".
- وأفضى آخر بداخله إلى أخرى، وخفّض صوته هامسًا في أُذْنها لعلّها تُولع بوصاله: "لا أحلى من "وضعيّة صانع الموسيقى"، ولا أبهج". وتابع، "ستفهمين، إنْ جربّتها تجدي أشياء جميلة بها". فعارضته: "أيّ شيءٍ هذا الكلام. إنّك تسعى إلى تلفي. فأقف حقيرةً، ذليلةً في مجتمعي الطالبيّ. غيرُ لائقٍ أن أسمعَ ما سمعتُ. يكفي. أغلِقْ فمك". أطرقت رأسها إلى الأرض حياءً، وتغيّر لونها. أدارتْ ظهرها، ومَضَتْ.
كان الجامعيّون يعمدون في أوقات فراغهم إلى التعليق على مُحاضرات أساتذتهم، ومُناقشتها زيادةً للتمحيص والتدقيق، جلاءً لما غمض منها واستعصى عليهم فهمه، تباطأ الكلام بشأنها، وبات الحديثُ عن الأوضاع الجنسيّة مُتقدّمًا على كلّ المواضيع الأُخرى، ودبّ كالوباء الساري. فاختلط الحديث بالحديث عن أوضاع الجنس، والعلاقة الجنسيّة. واستلذّتِ الطالباتُ سماعه من أفواه الطلاب بورعٍ مُتألِّق، راسمات حُمرة الخجل كأنّها شِغْل أحمر الشفاه، أو تلوين إصباغ.
ظنّ الشاب أنَّ الشريكة الأنثى التي يزهو منعّمًا معها بلذّاته في "وضعيّة جنسيّة" هَدَتْه إليها، أصبح عشيقًا لها في ذاته. ما مضتْ إلّا أيّام قلائل، وفَقَدَ بسرعة ما كان يأمله منها. لم يَسلَمْ من غدْرها، ولطفُها به في كلّ أوقاته بات سرابًا، لا يستطيع التصديق. فأفقده شاب آخر عِشقَه، وأخذ مكانه. هل يُصدّق عينيه، أم لا يُصدّق؟ إنّها في مكان آخر ... عنده، ومشاعرها لديه. هل هذا حقيقيّ! حار في أمرها. أحرقتْ روحه، فأحسّ كأنَّ شيئًا ما غُرز في قلبه. آهٍ من العِشق وحالاته، شرب من جُرَعها معها، ما كان حلوًا في مذاقاتها، بات مُرًّا. هل الطارئ هو شابٌ أكثر منه؟
غُرّ الطارئ بطيب عِشقها، وحَسَبَه أنّه تمّ بالتمام والكمال، فخُيِّلَ له أنّه أميز إنسان في الدنيا. لكنْ لم تكنْ منه حقيقةً. سُلبتْ منه، وهي في نقطة مُعاكسة مع شاب آخر، اغتنمها، ولا أمل في العودة إليه.
أراد الغانم بها أن تقفَ إلى جانبه، فلم يكنْ له ما يريد، وكانتْ محبّتها له لوقتٍ قليل. فتغاضتْ عنه، وبعدما كان قريبًا من جسدها، انقلبَ غريبًا. لم يعُد موجودًا لديها، وطبعًا رغبتُه مُستحيلة. مَسَحتْه من الوجود، ممحاةٌ محتْه. فوجدتْ غيره.
كان عِشقها مع هذا "الغير" مسألة وقت، ومنذ اللحظات الأولى تبيّن أنّه عِشق فترات زمنيّة. عاجلًا وليس آجلًا، يرفضه جسدها. وشَهدَ الأمر ذاته الذي شاهده شباب سبقوه في حبّها، استدرجتهم، دمّرتْهم وكسرتْهم، وتركتْهم في حالة عاجزة عن ردّ أمسهم معها، وهيهاتِ!
