لو نزل كائن فضائيّ اليوم إلى الأرض وظلّ يراقب الناس، لظنّ أننا لسنا جنسًا بشريًّا بل "معرض قطع غيار" ضخمًا: هذا يقيم الدنيا بسبب ركبة غامقة، وذاك ينهي خطوبة لأنّ إصبع القدم خرج عن الطول المسموح به، وثالث يرى في شكل الأذن دليلًا على الكرم أو البخل. كأننا لا نبحث عن شريك حياة، بل عن بطيخة نقرع عليها قبل الشراء.
ولو دخلنا تطبيقات المواعدة، لوجدنا أنّ نصف "المعايير" يدور حول الشفاه والأنف والكتف والعنق، بينما النصف الآخر يُركّز على ألا تكون الركبة خشنة! مشهد يذكّر بحلقة من السيرك أكثر مما يذكّر بالبحث عن حبّ.
الهوس بأجزاء محدّدة من الجسد ليس وليد اللحظة، إنه قديم قِدم "أول عاشق قارن بين قدمَين". وثمّة من يروّج لنظريّات عجيبة: طول الأنف دليل على قوة الشخصية، أو شكل الأذن يكشف مدى الوفاء، أو انحناءة إصبع الخنصر تدل على الذكاء. كأننا في سوق خضار، نقلب البطاطا ونختار ما هو أصلب وأقل عطبًا.
إصبع القدم الملعون
أغرب ما سمعت في حياتي، رجل قال أمام زميلاته وزملائه في العمل بملء فمه: "أنا لا أستطيع أن أعجب بأي امرأة سبابة قدمها أطول من إبهامها!". كأنه اكتشف "قانون الجاذبيّة" قبل نيوتن. يا أخي، حتى لو كان الإصبع الرابع أطول قليلًا، هل سيؤثر ذلك على الذوق الفني أو الحساب المصرفي أو قدرتها على طبخ الملوخية؟!
لكن لا... بالنسبة له، إصبع القدم أشبه بِزِرّ أحمر يقرّر مصير العلاقة من بدايتها.
تخيّلوا لو أنّ مشاهيرنا طبّقوا هذه النظريّة؟
لربما ما تزوّج نابليون أبدًا، لأنه كان قصيرًا وأصابع قدمَيه حتماً قصيرة. وربما ما كان ليُعجب أحد بمايكل جاكسون، لولا أنّ حذاءه اللامع كان يخفي كل شيء. أما في ملاعب كرة القدم، فلو طبّقنا هذه القاعدة لربّما لم يصبح ميسي نجمًا، إذ قد يقول أحدهم: "قدمه صغيرة، لا يصلح!".
الأذن رادار العلاقات
في المقابل، ثمّة من يضع الأذن في مرتبة عليا. "أنظر أذنه... مرفوعة لفوق، هذا دليل أنه كريم!"، أو "أذنها صغيرة؟ من المؤكد أنها عنيدة".
لو صدّقنا هذه النظريّات، لكان أينشتاين أسطورة في الكرم، لأنه صاحب أذن تشبه رادارات الجيش. وربّما لأعاد بيكاسو تشكيل العالم، فقط لأنّ أذنَيه لم تعجباه، فقرّر أن يرسم وجوهًا غريبة.
المضحك أنّ معظم هؤلاء الذين يوزعون التفسيرات، يعيشون حياتهم بلا تفسير: راتبه لا يكفيه أسبوعًا، لكنه يصرّ على أن أذن شريكة حياته ينبغي أن تكون "مثالية الطول".
الأنف بين الكبرياء والتنفس
للأنف قصة ثانية. فبعض الناس يعتبر طول الأنف أو قصره معيارًا للحكمة أو الغباء، وكأن "المناخير" صك غفران أو ختم جودة.
المشكلة أن الأنف هو العضو الوحيد الذي يفضحنا جميعًا: لا تستطيع إخفاءه. العين قد تغطيها بنظارة، الشعر قد تحلقه أو تزرعه، لكن الأنف؟! يظلّ صامدًا في منتصف الوجه مثل عَلَمٍ مرفوع، وغالبية العمليّات التجميلية تزيد من الثرثرة عليه.
لو طبّقنا نظريّة الأنوف، لكان جحا أعظم فيلسوف، لأن أنفه دخل كتب التراث قبل أن يدخل كتاب المدرسة.
الأكتاف و"الهيبة المستعارة"
أما الشباب الذين يقضون نصف حياتهم في النوادي الرياضية، فهم عبيد "الأكتاف العريضة"، أحدهم قد يقضي ثلاث سنوات كاملة وهو يرفع الحديد ويأكل صدور الدجاج المسلوقة، ثم يقف أمام المرآة ويقول: "الآن صرت جذابًا".
لكن بمجرّد أن يفتح فمه ويقول جملة مثل: "أحبّ الشِعر لأن فيه صورًا حلوة"، تنهار الهيبة كبرج من ورق. فالكتف قد يخدع، لكن العقل يفضح صاحبه دومًا.
الركبة العجيبة
يبدو أن هناك فئة جديدة من البشر تؤمن أنّ "الرّكبة" هي مركز الكون. أحدهم يقول لك بكلّ ثقة: "أنا لا أطيق الرّكبة الغامقة اللون، تدلّ على الكسل!" وكأنّ الرّكبة بِطاقة هويّة أو سيرة ذاتيّة.
يا صديقي، الرّكبة خُلقت لتسند الجسم عند الجلوس، لا لتثبت مكانة اجتماعية. تخيّل لو أن أرسطو لم يدرّس الفلسفة لأن ركبته خشنة من كثرة المشي! أو لو أن لاعب كرة قدم مثل زين الدين زيدان طُرد من الفريق لأن ركبته ليست "فاتحة كفاية". الركبة بالنسبة لهؤلاء ليست مفصلًا عظميًّا، بل مقياسًا للرومانسية! والأسوأ أن بعض خبراء "النصائح العاطفية" يزعمون أن الرّكبة تكشف عن الحنان. إذا جُرحت، فهذا يعني أن صاحبها "صعب المراس"! بالله عليكم، هل نحن في سوق للّحوم أم في معمل تحليل رُكب؟
وصل الهوس إلى مرحلة تجعل المرء يضحك حتى يسقط على ركبتيه، ويا للسخرية!
عنق الزرافة
لنترك الرّكب قليلاً وننتقل إلى "العنق". البعض مهووس بعنق طويل كعنق الزرافة، كأنه علامة على الرقي والأناقة. تسمعه يقول: "عنقها قصير؟ لا تصلح للتمثيل!". وكأن كلّ ممثلة ينبغي أن تكون نسخة طبق الأصل عن تمثال فرعوني.
تخيّلوا لو أن أم كلثوم رُفضت لأنها لم تملك عنقًا بطول عمود إنارة؟ أو لو أن نيلسون مانديلا لم يُحترم لأنه لم يكن "ممشوق العنق"؟
الغريب أن أصحاب هذه النظريات أنفسهم، غالبًا ما يملكون أعناقًا مدفونة بين الكتفَين، ومع ذلك يتشدقون بالنقد.
الأسوأ حين يتدخلون في النصائح الزوجيّة: "العنق الطويل دليل على الأناقة، والعنق القصير دليل على العصبيّة". يا سلام! هل نحن في فصل تشريح أم في برنامج طبخ؟ العنق خُلق ليمرّر الأوكسجين للدماغ، لا ليُقاس بالمتر، ولو استمرّينا على هذا المنوال، سيأتي يوم تُعلن فيه مسابقات: "ملكة جمال العنق"، والجائزة عقد لؤلؤ مجاني!
الفم صديق الشفاه الغليظة
الهوس بالشفتين له حكايات أخرى. هناك من لا يرى في المرأة إلا "امتلاء شفتَيها"، وكأنها إعلان عن مشروب غازي.
بل هناك من يعتقد أن الشفاه تكشف شخصية صاحبها: "الشفاه العريضة دليل على الكرم". ولو صدّقنا ذلك لكان دونالد داك أكرم الشخصيات في التاريخ. ولأن السوق يعرف نقاط ضعف الناس، ظهر "الفيلر" كمنقذ العصر. صار حقن الشفاه مثل شرب القهوة: عادة يومية لا تنتهي. ترى فلانة دخلت العيادة بشفتَين عاديّتَين وخرجت بشفتَين كأنهما وسادتان صغيرتان. السبب؟ لأن "الميديا" أقنعت الناس أن الشفاه المنفوخة هي مفتاح القلوب والفرص والزواج وحتى الترقية الوظيفية! وهكذا، أصبح "الفيلر" أكثر رواجاً من الكنافة في محلات الحلويات الطرابلسية، وصارت الشفاه الجديدة مثل "شعار رسمي" يُرفع على الوجه: إعلان صامت يقول للعالم "انظروا إليّ… لقد دفعت ما يكفي لأبدو سعيدة بالبايكينغ باودر".
الهوس المعكوس
الطريف أن هؤلاء الذين يتشرّطون ويبحثون عن "الكمال الجسدي"، عادةً ما يكونون بعيدين كل البعد عنه. تراه خفيف الشعر ويطالب بشعر طويل وناعم، أو قصير البنية ويشترط أن تكون شريكته طويلة مثل نخلة، وكأنها معركة تعويضية يشنها على العالم.
كوميديا بلا ستارة
الحقيقة أنّ هذا الهوس ليس بحثًا عن جمال، بل هروب من مواجهة الذات. فالذي يبحث عن أنف مثالي أو ركبة فاتحة يتهرّب غالبًا من مواجهة مشاكله الحقيقية: فاتورة كهرباء، زحمة مواصلات، أو بكاء طفلة في منتصف الليل.
يقولون: "من راقب الناس مات همًّا"، وأقول: "ومن راقب أصابع أقدام الناس، عاش عمرًا كاملاً من الكوميديا السوداء… وربما سقط على ركبتَيه من الضحك"!