عيسى يحيى

خلط أوراق في بعلبك الهرمل: صراع البعث القدامى والجدد وأمل تصرّ على مقعدين

4 دقائق للقراءة

تشهد دائرة بعلبك الهرمل السياسية تحولات دقيقة مع اقتراب الانتخابات النيابية، حيث يحصل تجاذب بين الأطراف الشيعية المختلفة حول المقاعد المتاحة، في ظل تغيّر المعادلات التقليدية والتحالفات القديمة. "حزب الله" كركيزة أساسية لـ "الثنائي" الشيعي، يجد نفسه أمام اختبار لإدارة التحالفات الداخلية وحفظ وحدة الصف، فيما تسعى حركة أمل إلى تعزيز حضورها النيابي المستحق في المنطقة.


لا تجري الرياح كما تشتهي السفن بالنسبة للتحالفات التقليدية في بعلبك الهرمل، حيث يواجه "الحزب" مرحلة دقيقة لإدارة المعركة النيابية المقبلة، وسط إحراج متزايد نتيجة خلط الأوراق داخل صفوف الحلفاء والطامحين للمقاعد. وعليه تظهر تجاذبات جديدة داخل حزب "البعث" القديم والجديد، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي في المنطقة، ويعكس التوتر بين الطموحات الفردية والمصالح الحزبية المؤسسية. فمقعد البعث الذي كان ثابتًا قبل سقوط النظام السوري، أصبح اليوم محور تجاذبات داخل البيت الواحد. وأمين عام الحزب الحالي علي حجازي، الذي سلك سابقًا طريق ضمان المقعد عبر وعود غير نهائية من "الحزب" في الدورة السابقة، أن يكون هو صاحب النصيب خلال الدورة المقبلة، وبعد أن تمسك نظام الأسد حينها بالنائب الحالي جميل السيد لحسابات معروفة، يجد نفسه أمام منافسة مباشرة مع الأمين العام السابق والوزير عاصم قانصوه، الذي يردد في مجالسه الخاصة حسم أمره بالترشح، حيث بدأ التحضيرات المادية واللوجستية، ويشيع حصوله على وعد من "الحزب" أيضاً، وهو الذي كان منذ اليوم الأول لتولي حجازي سدة "البعث" معارضًا ومهاجمًا، الأمر الذي يدفع إلى حالة من الإرباك داخل صفوف البعثيين القدامى والجدد.


الصراع على مقعد البعث يفتح الباب أمام إعادة تقييم التحالفات، حيث تصبح القدرة على إدارة الحلفاء والمنافسين الداخليين عاملًا حاسمًا للحفاظ على استقرار "الثنائي". "الحزب" يعيش اليوم توازنًا دقيقًا بين احترام الطموحات الفردية للبعثيين، وبين الحفاظ على مبدأ توزيع المقاعد بما يضمن استمرار الولاء الشعبي للثنائي. هذه المعادلة تزيد من احتمالية أي تغيير محتمل في ترتيب المرشحين، وتضع "حزب الله" أمام تحدٍ مزدوج: الاستجابة للطموحات الداخلية، وفي الوقت نفسه ضمان عدم تفكك الصف الشيعي في المنطقة.


وحدها حركة "أمل" تبدو أكثر حزمًا، وتقارب الموضوع من زاوية مختلفة، وهمس الحركيين يتزايد كل يوم، زمن البعث انتهى، ولا بد لتمثيل الحركة في بعلبك الهرمل أن يكون على قدر شعبيتها، مستفيدةً من الثغرات التي تنشأ في تركيب التحالفات والصراعات المستجدة. ولأن المعركة غير مقتصرة على المقاعد التقليدية، بل تشمل أيضًا محاولة خرق الصف الشيعي التقليدي، والحصول على مقاعد من خارج عباءة "الثنائي"، ما يجعل دور الحركة مؤثرًا ومحددًا في رسم الخارطة النهائية.


تأتي ليونة "حزب الله" في التعامل مع الحلفاء في سياق الحفاظ على وحدة الصف وضمان الاستقرار الداخلي، لكنها تبقى رهينة المتغيرات السياسية والتحالفات على الصعيد الوطني، فاختيار الإبقاء على وجوه قديمة يهدف إلى تجنيب القاعدة الشعبية أي تشتت، بينما إدخال وجوه جديدة يمثل استراتيجية لإدارة النقد الداخلي ومعالجة المطالب المتزايدة بالتغيير، ليبقى السؤال عن قدرة "الحزب" ومرونته في اختيار غير حزبيين لجذب أصوات معارضة وقطع الطريق على المعارضة الشيعية في المنطقة.


أما على صعيد المعارضة الشيعية، فهي تتحضر للمعركة وتنظم صفوفها، مستغلةً أي خلل في التنسيق الداخلي لـ "الثنائي"، وتسعى بعض الشخصيات التي لها وزنها في المنطقة، إلى إدارة العملية من باب العمل الجدي على تحقيق الخرق، لا من منطلق تسجيل الاسم تحت عنوان المعارضة الشيعية من دون أن يكون لذلك أثر في قلب المعادلات التي فرضتها الظروف المحلية والإقليمية.


ولأن بعلبك الهرمل تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة "الحزب" في الحفاظ على وحدة الصف، والمعارضة في إثبات حيثيتها، تبقى الأيام المقبلة كفيلة في بلورة الصورة بشكل أفضل، وهل سيبقى المقعد بحوزة البعث أم سيؤول إلى حركة "أمل"، أم سيخسره "الثنائي" لصالح المعارضة؟