في كلّ مرّة يخرج لبنان من معركة سياديّة، كما في الجدل الأخير حول سحب سلاح حزب الله، يتبيّن أنّ الطروحات التي تتّسم بالحدة وتتبنّى قرارات استثنائيّة ليست سوى ردّات فعل آنية، لا ترتقي إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية. فالمستقبل، لمن أراد أن يبقى فيه فاعلًا، لا يُبنى بالانفصال عن الجغرافيا، بل بالتمرّس في تعقيداتها والتفاعل مع معطياتها.
هذا يعيدنا إلى مشروع “الوطن البديل” الذي حاولت بعض الفصائل الفلسطينية فرضه في الجنوب اللبناني خلال السبعينيات والثمانينيات. كان ذلك انعكاسًا لعجز الدولة المركزية، المقيدة بتركيبتها التوافقية والتعددية، عن صياغة سياسات قادرة على ضبط التوازنات. غير أنّ ما هو أبعد من هذا البعد الداخلي يمرّ بالضرورة عبر واشنطن، صاحبة اليد الطولى في تحديد مسارات الصراع.
منذ اندلاع الصراع العربي–الإسرائيلي، لم تتخلَّ الولايات المتحدة عن طموحها في لعب دور “المنقذ”. خطاب السيناتور ليندزي غراهام من على منبر قصر بعبدا لم يكن استثناءً، بل تجديدًا لرؤية أميركية ثابتة تعتبر أنّ أي تسوية في المنطقة لا بدّ أن تمرّ عبرها. أميركا تريد أن تُمنَح هذا الدور لا فقط كوسيط، بل كحَكَمٍ يملك مفاتيح الحرب والسلم.
قد يُعزى هذا إلى النزعة الثقافية الأميركية التي غذّتها صورة “سوبرمان” المنقذ في المخيال الشعبي، لكنّه في جوهره يعكس إدراكًا استراتيجيًا عميقًا لما يجري في الشرق الأوسط: منطقة تختزن موارد الطاقة، وتشكّل عقدة توازنات إقليمية ودولية.
الخلل البنيوي والتوازنات المتقلّبة
الخلل الذي يشهده الإقليم ليس عارضًا، بل هو نتاج ديناميكية قد تكون مدروسة أحيان ، و عفويّة حسب الطروف . واشنطن وحلفاؤها أي إسرائيل تحديداً يستثمرون في التوازنات المتقلّبة لإدارة الإيقاعين الاقتصادي والنفطي بما يخدم مصالحهم. ومن أجل ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى إقناع دول المنطقة بأنّ مصالحها “الوجودية” مرتبطة بالتفاهم معها، ولو على حساب قدرتها على إبراز قوّتها الذاتية.
لبنان والفخّ الأميركي–الإسرائيلي
من هنا، يصبح التعليق على اقتراح ليندزي غراهام من منير قصر بعبدا جوهريًا: أي اتفاق دفاع مشترك بين لبنان والولايات المتحدة، في غياب حلّ جذري للقضية الفلسطينية ـ أي قيام دولة فلسطينية مستقلة ـ سيبقى قاصرًا. بل سيحوّل لبنان، كما هو حال قطر أو غيرها من الدول الصغيرة، إلى ساحة لتصفية الحسابات بين إسرائيل والفلسطينيين، و هذه المرّة تحت إشراف أميركي مباشر .
ربّما هذا هو جوهر ما سُمّي في القرن الماضي بال"وطن البديل "
بعبارة أخرى، لا يمكن للبنان أن ينجو من “العلاقة السامّة” بين أميركا والقضية الفلسطينية إلا إذا ارتبط أي اتفاق استراتيجي بتسوية شاملة تضع حدًا للجذر الحقيقي للصراع.
أمّا ما دون ذلك، فليس سوى إدارة للأزمات بانتظار انفجار جديد و تشكيل جبهات سيادية جديدة...