الدكتور سايد حرقص

الانتخابات في لبنان: "خطوة نحو المستقبل" أم رهينة الماضي؟

6 دقائق للقراءة

​لم تعد الانتخابات النيابية في لبنان مجرّد استحقاق دستوري دوري، بل تحولت إلى ساحة تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيّقة إلى رهانات استراتيجية على عامل الزمن. ففي بلد تتقاذفه الأزمات، لم يعد الوقت حياديًا، بل أصبح أداة للمواجهة السياسية ووسيلة للبقاء. وهنا تكمن المفارقة: فبدل أن تكون الانتخابات لحظة تقييم شعبي ديمقراطي للطبقة الحاكمة، باتت رهينة لعبة عض الاصابع والانتظار المفتوحة على المجهول.



​إنّ الأحزاب اللبنانية لا تتعامل مع الزمن كمسار طبيعي للتداول الديمقراطي، بل كأصل يمكن توظيفه لتحسين شروط التفاوض. في هذا السياق، يصبح الزمن جزءًا من معادلة القوة: من يملك القدرة على الصمود ، يملك فرصة فرض وقائع جديدة. وهكذا، يذوب المعنى الديمقراطي للانتخابات في لعبة حسابات مؤجلة.



​من خلال مراقبة تصرفات الأفرقاء السياسيين يبدو أن الانتخابات النيابية المقبلة أصبحت أسيرة رهانات متباينة على عامل الوقت بين جميع المكونات السياسية:



​- الثنائي الشيعي: رهان "الوقت يحمي السلاح" : يعتمد الثنائي الشيعي على الزمن كأداة استراتيجية للحفاظ على هيمنته السياسية. فالتأجيل أو تعطيل الانتخابات لا يُنظر إليه مجرد تأخير دستوري، بل فرصة لإحكام السيطرة على موازين القوى داخل البرلمان، ومنع أي تغيّر قد يهدد نفوذه. التاريخ يوفر أمثلة واضحة: في عام 2008، لم يتردّد الثنائي في استخدام السلاح داخليًا لإجهاض نتائج استحقاق نيابي، مؤكدًا أن القوة المسلحة تبقى الضمانة الأخيرة للحفاظ على المكاسب السياسية. في هذه الاستراتيجية، الزمن ليس مجرد مرور للأيام، بل "مظلّة حماية" تسمح له بالصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية. الوقت بالنسبة للثنائي الشيعي يتحوّل من عنصر محايد إلى أداة قوة، يُستثمر في تثبيت الواقع السياسي القائم، وتجنب أي تغيرات قد تُضعف قبضته على القرار اللبناني وتمييع أي محاولة لنزع السلاح في انتظار انتهاء العاصفة الحالية والحصول على فرصة مستقبلية للهجوم على الشركاء في الوطن.



​- جبران باسيل: رهان "غسل الذاكرة الشعبية": يستند جبران باسيل في استراتيجيته السياسية إلى ما يمكن تسميته "الذاكرة الزمنية" للبنانيين، مراهنًا على أنهم قصيرو الذاكرة وأن أخطاءه وفشله سيتآكلان مع مرور الوقت. لذلك يملأ الفضاء الإعلامي بالدعاية التي تلمّع صورته وتعيد إنتاجه في هيئة "الضحية" لا "المسؤول" عن الانهيار. فالزمن بالنسبة إليه ليس مجرد مرور للأحداث، بل أداة لغسل الذاكرة الشعبية وإعادة صياغتها. بهذا المعنى، يبدو باسيل كنسخة محلية من إدوارد بيرنيز، الأب المؤسس لفن البروباغندا في القرن العشرين، الذي استطاع أن يبيع وهم الحرية عبر سيجارة في يد امرأة، فحوّل التدخين من عادة منبوذة إلى رمز للتحرر والجاذبية. غير أن الفرق أن بيرنيز روّج سلعة، فيما يسعى باسيل إلى ترويج ذاته؛ إذ يحاول تحويل فشله الذريع على مدى عقدين إلى رمز "كبش الفداء"، مُصوّرًا أن الجميع تآمر عليه حتى رفع شعاره الشهير: "ما خلّونا".



​- القوى السيادية: رهان "تحصين الثورة لنزع السلاح" : تعتبر القوى السيادية أن أي انتخابات تجرى في ظل سلاح حزب الله ستبقى عاجزة عن إنتاج أكثرية فعلية قادرة على الحكم. لذا، قد تفضّل هذه القوى تأجيل الانتخابات إلى ما بعد حسم ملف نزع سلاح حزب الله، باعتبار أن تلك اللحظة وحدها تفتح الباب أمام اختراق الساحة الشيعية وكسر الاحتكار السياسي فيها، مما يسمح بولادة أغلبية نيابية وازنة. تستند مقاربة القوى السيادية إلى دروس مستفادة من الداخل والخارج:



- ​تجربة 2005 اللبنانية: على الرغم من نجاح قوى 14 آذار في تحقيق أغلبية نيابية. الا ان النجاح أجهضه السلاح بالقوة. وهذا يثبت أن تحقيق أغلبية نيابية في ظل وجود السلاح لن يُحدث أي تغيير حقيقي.



- ​التجربة الإسبانية بعد حكم الجنرال فرانكو: استُخدم الوقت كأداة انتقال تدريجي من الديكتاتورية إلى الديمقراطية.



- ​جنوب أفريقيا: كان الزمن وسيلة لبناء الثقة وتفادي الحرب الأهلية في مواجهة الفصل العنصري (الأبارتهايد).



​قد تساعدنا الأبعاد الفلسفية على فهم مأزق لبنان مع الزمن. عند الفيلسوف مارتن هايدغر، الزمن ليس مجرد تسلسل ميكانيكي للأحداث، بل هو شرط وجودي أساسي: فالإنسان "كائن نحو المستقبل"، أي أن معنى وجوده يتحدد بما يفعله اليوم لتشكيل غده. المستقبل، بحسب هايدغر، ليس مجرد نتيجة لما مضى، بل أداة لصياغة الحاضر وإضفاء معنى على الحياة.إذا أسقطنا هذا على الواقع اللبناني، تتضح مأساة إدارة الزمن السياسي في البلاد. فـالثنائي الشيعي، الذي اعتاد على التعطيل وسيلة لفرض مشروعه، يحبس الدولة في "انتظار تغييرات تخدم مصالحه"، بدل أن يسهم في دفع لبنان نحو مستقبل فعّال ومستقر. في المقابل، جبران باسيل، الذي استفاد في الماضي من قوة الثنائي، يبدو اليوم ضائعًا، محاولًا استغلال الوقت لتنظيف ملفاته الشخصية.أما القوى السيادية،فهي تحاول استثمار التغيير للانطلاق نحو بلد أكثر ازدهارًا، إلا أن رؤيتها للمستقبل لا تزال ضبابية وغير مكتملة بسبب انقساماتها، ما يحد من قدرتها على تحويل الطموحات إلى واقع ملموس. النتيجة أن لبنان يعيش أزمة وجودية: المستقبل الوطني مجمّد، والحاضر محاصر بالمصالح الضيقة، مما يحوّل الزمن من أداة للبناء إلى أداة للرهانات والمكاسب الشخصية. وفق هايدغر، الخلاص يبدأ عندما تعترف جميع القوى بأن مستقبل الدولة يفوق أي مصالح فردية أو حزبية، وأن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد لتحويل الزمن الوطني إلى فرصة حقيقية للبناء والازدهار.



​أما بول ريكور فيرى أن الزمن السياسي هو زمن "السردية المشتركة" التي تبني ذاكرة جماعية وتوجّه الحاضر نحو مشروع جماعي. لبنان اليوم يفتقر إلى هذه الهوية الوطنية الجامعة، فبعض الناس يراه جزءًا من الإمبراطورية الإسلامية الكبرى، وبعضهم يراه ساحة لتحقيق مصالح شخصية، بينما يحاول آخرون بناء وطن الحرية والكرامة كما حلم به أجدادهم.

​باختصار، مأزق لبنان ليس فقط في تعطيل الانتخابات، بل في غياب المعنى السياسي للزمن وفي عدم وجود هوية وطنية جامعة. فالانتظار عند بعض القوى السياسية هو استعداد لمستقبل أفضل، وفي نظر آخرين هو محاولة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء وإجترار للماضي من أجل الوصول الى مراوحة قاتلة تستهلك الحاضر وتضيّع المستقبل.



​المطلوب اليوم ليس مجرّد تحديد موعد للانتخابات، بل إعادة المعنى للزمن السياسي عبر بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز العصبيات الطائفية والمذهبية والمناطقية. يجب أن يتحول الوقت من أداة للتعطيل إلى أفق للفعل. فإذا نجح الرهان على الزمن كوسيلة لسجن التاريخ، سيبقى لبنان رهينة لعبة مفتوحة على انهيار الدولة. أما إذا استُعيد الزمن كمسار نحو مشروع وطني جامع، فحينها فقط يمكن أن تتحول الانتخابات من "مهبّ الريح" إلى فرصة تأسيسية لبناء دولة قادرة على العبور إلى المستقبل.