أورور كرم

الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لا يُحلّ بأفكار بعيدة من الواقع

4 دقائق للقراءة
لا يبدو أن هناك أفقًا لحلّ الصراع في المدى المنظور (رويترز)

من الواضح والثابت أن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لا يمكن أن يجد طريقه إلى الختام من دون التوصّل إلى حلّ شامل يضمن للفلسطينيين حقهم المشروع في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلّة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار وجود دولة قائمة بمؤسّساتها وشعبها وحدودها المعترف بها دوليًا وهي دولة إسرائيل. هذا ما يُعرف اختصارًا بـ "حلّ الدولتين".


غير أنّ مقاربة هذا الحلّ تبدو اليوم أبعد ما تكون من الواقع الميداني والإقليمي والدولي. فالفريقان المعنيّان مباشرة بالصراع، أي حركة "حماس" وإسرائيل، لا يلتقيان إلّا على رفض حلّ الدولتين. فـ "حماس" وأذرعها ترفض الاعتراف بإسرائيل من حيث المبدأ، فيما ترى إسرائيل أن قيام دولة فلسطينية هو بمثابة مكافأة للإرهاب.


وجاءت عملية 7 أكتوبر لتزيد المشهد تعقيدًا في هذا الملف الشائك. فبدلًا من أن تزيدنا اقترابًا من التسوية النهائية، دفعت بالقضية الفلسطينية إلى أبعد نقطة عن أيّ حلّ ممكن وأسقطتها في دوّامة التجاذب الإقليمي والدولي، وحوّلتها إلى مادة خلافية في الرأي العام العربي، لا بل العالمي.



وفي خضمّ هذا المشهد المأزوم، خرجت أصوات بين الدول الغربية تدعو إلى المسارعة إلى الاعتراف بدولة فلسطين، من دون تحديد الأطر العملية لذلك، وقد توّجت هذه الخطوة بالتصويت على إعلان حول حلّ الدولتين في الأمم المتحدة خلال الأسبوع المنصرم، كما جاء العدوان الإسرائيلي على قطر ليزيد حدّة التوتر ويدفع الدول العربية والإسلامية إلى الاجتماع على عجل في قمّة استثنائية في الدوحة. هذه القمة، التي وُصفت بأنها لحظة تاريخية، لم تكن مجرّد موقف تضامنيّ مع قطر فحسب، بل محاولة لإعادة توحيد الموقف العربي والإسلامي تجاه الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدوليّ.


لكن، وبين طموحات الأمم المتحدة وطروحات القمّة وواقع الميدان، يبقى السؤال الأبرز: هل تملك هذه الدول القدرة على فرض مقاربة جديدة تُخرج عملية السلام من غرفة الإنعاش وتعيد إحياء "حل عمليّ" للدولتين؟ أم أن ما نشهده ليس سوى جولة أخرى من بيانات الإدانة والدعوات إلى التهدئة، في انتظار انفجار جديد يعيد فتح الجرح على مصراعيه؟


من هنا، استغلّت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه القمّة للتحريض أكثر فأكثر على إسرائيل، إذ دعا أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الحكومات الإسلامية، إلى تشكيل غرفة عمليات مشتركة. ووجّه تحذيرًا اعتبر فيه أن عقد مؤتمر لمنظمة التعاون الإسلامي مليء بالخُطب من دون نتيجة عملية، كما يحصل في اجتماعات مجلس الأمن، يساوي في الحقيقة إصدار أمر جديد بالاعتداء لمصلحة إسرائيل.


ولكن لا يمكن إغفال دخول إيران على خط القضية الفلسطينية، ليس فقط كداعم لحركات "المقاومة" بل كطرف يسعى إلى تكريس نفوذه الإقليمي من خلالها. هذه المقاربة تحوّل القضية من قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره إلى ورقة ضمن صراع النفوذ بين طهران والعواصم الإقليمية والدولية. ولعلّ أبرز ما عمّق هذا التحوّل تحديدًا، هو الاستراتيجية التي تبنّاها القائد السابق لـ "فيلق القدس" قاسم سليماني، الذي قتل بضربة أميركية في بغداد. فالاستراتيجية نقلت ملف القضية الفلسطينية من كونه صراعًا على حقوق الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم، إلى ساحة مواجهة أوسع تُستخدم فيها القضية كأداة لتعزيز نفوذ إيران الإقليمي، وتثبيت موقعها كقوة إقليمية صاعدة تسعى إلى فرض نفسها لاعبًا أساسيًا في معادلة الشرق الأوسط، وكدولة تطمح إلى اعتراف دولي بمكانتها النووية.


وإضافةً إلى كلّ ما سبق، تحوّلت فلسطين أيضًا إلى محور تجاذب حتى في قضايا بعيدة ظاهريًا من الصراع، كما في قضية مقتل المؤثّر الأميركي تشارلي كيرك، حيث انقسم الرأي العام بين من يرى في مقتله استهدافًا لمواقف داعمة لإسرائيل ومن يعتبر أنّ فلسطين باتت كبش فداء لصراعات أيديولوجية في الغرب. ومشهد التظاهرة المليونية لليمين البريطاني التي مُزّق خلالها العلم الفلسطيني، دليل آخر على أن القضية لم تعد حكرًا على ساحات الشرق الأوسط، بل باتت جزءًا من الانقسام الثقافي والسياسي في الغرب نفسه.


إذًا، ما هو مؤكّد أنّ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لا يمكن أن يُحلّ عبر استحضار أفكار مُعلّبة، قديمة، كلاسيكية وبعيدة من الواقع الميداني والسياسي. المطلوب اليوم من الدول المعنيّة، وفي طليعتها دول الجامعة العربية، إعادة قراءة الوقائع على الأرض وصياغة مقاربة جديدة تواكب التطوّرات بعيدًا من الخطوات الأحادية والمناكفات السياسية مع الولايات المتحدة، كي تعيد الاعتبار لحقوق الفلسطينيين الذين تُركوا في مهبّ صراع النفوذ والمصالح بين الدول الكبرى وللأسف، كلّ ذلك كان على حساب حقوقهم المشروعة.