عيسى مخلوف

وقفة من باريس

مكتبة في الحيّ اللاتيني

21 تشرين الثاني 2020

02 : 00

حين وصلتُ إلى باريس هرباً من الحرب الأهليّة، وأقمتُ في الحيّ اللاتيني قرب الجامعة التي تابعتُ فيها دروسي، كان أوّل وأكثر ما لفت انتباهي في ذلك الحيّ هو وفرة المكتبات. بين مكتبة وأخرى توجد مكتبة ثالثة، بالإضافة إلى المكتبات العامّة ومنها "مكتبة سانت جنفياف" التي حُفرت فوق واجهتها الأماميّة أسماء عدد كبير من الذين طبعوا المشهد العلمي والمعرفي عبر الزمن.

عند الضفّة اليسرى من نهر "السين"، قُبالة كاتدرائيّة "نوتردام" التي تخضع لعمليّة ترميم كبيرة بعد أن اشتعلت فيها النيران في العام 2019، توجد مكتبة فريدة من نوعها، متخصّصة بالأدب الأنغلوفوني، وتدعى "شكسبير إند كومباني". تفتح أبوابها للطلبة والزوّار والباحثين عن لحظة دفء، يدخلون إليها ويغمرهم إحساس بالاطمئنان. وينطبق عليها ما كُتبَ فوق مدخل مكتبة "سان غال" السويسريّة التي تأسّست في القرن الثامن والمُدرَجة في قائمة التراث العالمي، وهي إحدى أجمل المكتبات القديمة في العالم: "مصحّ الروح". غير أنّ هذه الصفة تتوافق مع فكرة وجود المكتبات نفسها. المكتبات المشرَّعة على السفر، داخل الذات وفي الكون، وهي المطرح المفتوح على جميع الأمكنة والأزمنة.

توجد صورة شكسبير عند مدخل المكتبة التي تحمل اسمه، وإلى يمينها، على الجدار، محفورةٌ تمثّل وجه الشاعر الأميركي والت ويتمان وتحتوي على إحدى عباراته: "أيها الغريب العابر من هنا، أنتَ لا تعرف بأيّ شوق أنظر إليك". كم تصلح هذه العبارة أيضاً كمدخل للتعريف بالكتب التي تفتح صفحاتها للجميع بلا أسوار ولا حدود، ولذلك فهي تجمع غرباء الأرض كلّهم لينتهي آنئذ، عند البعض منهم، الشعور بالغربة.

في إحدى زوايا الطابق العلوي من المكتبة، يوجد البيانو الذي لمست مفاتيحه أصابع مرَّت من هنا، وبالقرب منه قطّة ساهية كأنّها تبحث عن صدى ألحان قديمة. وقد تَبعثرت، هنا وهناك، أسرَّة ومقاعد خشبية وكَنَبات يسترخي فوقها القرّاء، وفي يد كلّ منهم كتاب مفتوح. كان يصادف أحياناً أن أرى فوق أحد الأسرَّة عاشقين ممدّدين جنباً إلى جنب، كأنهما هربا للتوّ من مطر الخارج ولجآ إلى هذا المكان الحميم الذي يشعر فيه المرء على الفور، ومنذ أن تطأ قدمه العَتَبة، أنه مكانه الخاصّ وخلوته.

أحالني هذا المشهد عندما طالعني للمرّة الأولى إلى قصيدة شارل بودلير "موت العشّاق"، لكنّ الموت في هذه القصيدة يكتسي معنى آخر إيجابياً، وهو مبعث حياة جديدة، إذ يتحدّث الشاعر عن "وميض فريد" و"مساء ورديّ اللون صوفيّ الزُّرقَة"، وعن "أسرّة مليئة بالعطور الناعمة" و"زهور غريبة على الرفوف/ تتفتّح لأجلنا تحت سماوات هي الأجمل".

أنشأت مكتبة "شكسبير إند كومباني"، في العام 1919، الكاتبة والناشرة الأميركيّة سيلفيا بيتش، وقد حوّلتها مركزاً ثقافياً وملتقى للكتّاب والمثقّفين، ومنهم إرنست همنغواي وعزرا باوند وهنري ميلر وأناييس نين وألن غينسبرغ وجايمس جويس. كما نشرت لهذا الأخير الطبعة الأولى من كتابه "عوليس". لكن المكتبة التي ورد ذكرها مراراً في أعمال عدد من الكتّاب والروائيين ومنهم همنغواي في كتابه "باريس عيد"، وحضرت في الكثير من الأفلام السينمائيّة ومنها فيلم "منتصف الليل في باريس" لوودي آلن، تشهد اليوم، بسبب الوباء والحَجر، ظروفاً صعبة تهدّد وجودها، ما دفع المسؤولين عنها إلى إطلاق صرخة استغاثة ودعوة محبّيها إلى "شراء كتبها النادرة".

بالإضافة إلى ما كانت تعاني منه الثقافة، ومن ضمنها الكتب والمكتبات، جاء الحَجْر ليضاعف من مشاكلها وليضعها أمام تحدّيات تتعاظم يوماً بعد يوم، بل يجبر البعض على إغلاق مكتبات عريقة كان لها دور في رسم ملامح المدينة، وثمّة مكتبات عدّة أُقفلت وأخرى تستعدّ للإقفال. وهذا ما يُقلق الكتّاب والمثقّفين الذين يصعّدون مطالبتهم بفتح المكتبات على غرار المخابز ومحلاّت التموين الغذائية، إيماناً منهم بأنّ الكتب هي أيضاً خبز لا بدّ منه، وهي أحد عناوين الحرّية، ومنها يعبر الضوء إلى العقل. إنّها كذلك فعلاً، وإلاّ لما كانــت الأنظمة الشموليّة تحاربهــا بالرقابة والمصادرة والمنع.

لا وجود لعبارة "حرّية الرأي والتعبير" في قاموس تلك الأنظمة، لا سيّما في السلطة التي حكمت العالم العربي، ماضياً وحاضراً. حتّى الذين ساهموا في تكوين الحضارة العربية، صودرت كتبهم وحُرقَت، ومنهم من تعرّض للنفي أو للقتل. لا حقوق في الأرض الخراب إلاّ حقّ الجهل والقهر والمزيد من التخلّف.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.