إذا كانت "الضرورات تبيح المحظورات" حسب القاعدة الفقهية، فإن منع "الأضرار" الجسيمة يتقدم على جلب المنافع. ولا ضرورة تفرض على لبنان فعل كل شيء من خارج الصندوق ومن داخله أشد إلحاحًا من بناء الدولة ودعم الجيش ومساعدة النفس ليساعدنا العرب والغرب في التعافي المالي والاقتصادي واستعادة الأرض المحتلة من العدو الإسرائيلي وترسيم الحدود مع سوريا وإسرائيل. ولا ضرر أخطر على الحاضر والمستقبل من إغلاق نافذة الفرصة المفتوحة أمامنا عبر التحولات المتسارعة، والذهاب إلى العزلة العربية والدولية مع سلاح يرفض "حزب الله" تسليمه للجيش على الرغم خسارة الدور وتزايد خطر فصل آخر من حرب إسرائيلية تدمره وتؤذي لبنان.
ولا نقاش في ضرورة الحاجة إلى استراتيجية أمن وطني لا معنى لمشروع الدولة من دونها. لكن الجانب العسكري والأمني هو بُعد واحد من بين أبعاد هذه الاستراتيجية الشاملة التي يتم وضعها في مركز السلطة الشرعية لا على طاولات الطوائف. والسياسة الدفاعية المستوحاة منها هي خطة متحركة وسرية ومتغيرة حسب الظروف والإمكانات والأخطار يضعها المستوى العسكري من دون حاجة إلى فولكلور الحوار بين ممثلي الأحزاب والطوائف. ولا علاقة بين الحاجة إلى استراتيجية أمن وطني وسياسة دفاعية وبين سلاح "حزب الله". ولا هذا السلاح الذي جاء مع المال والتدريب من إيران كان من أجل استراتيجية أمن وطني.
ذلك أن ما جرى من حوارات حول الاستراتيجية الدفاعية في المجلس النيابي عام 2006 ثم في القصر الجمهوري على مراحل ينطبق عليه المثل الفرنسي القائل: "حلمان في سرير واحد": حلم "حزب الله" بأن تكون الاستراتيجية الدفاعية ديكورًا لسلاحه ودوره. وحلم المعارضين أن يصبح هذا السلاح خارج اللعبة. والنتائج إما طبخة بحص، وإما تفاهم مثل "إعلان بعبدا" انقلب عليه "حزب الله". لا بل إن "الحزب" لم يكتم القول إن ما يقوم به من تسلح وتخطيط وقيادة وتحكم ومعارك هو الاستراتيجية الدفاعية. لكن ما نجح عبر "حرب العصابات" في إجبار الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب مدحورًا من الجنوب عام 2000 تلقى ضربة قوية مع استخدام الصواريخ والمسيرات والدبابات والمدفعية في حرب الإسناد" ومواجهة قوة متطورة تكنولوجيًا ومتفوقة على العرب جميعًا بسلاح أميركا ودعمها وقوتها. فلا "توازن الردع" كان حقيقيًا. ولا السلاح حمى قيادته وبيئته ولبنان من التوحش الإسرائيلي.
والواقع أن ما كان في البداية مغطى بالحاجة إلى تحرير الجنوب، بدأ يتكشف بعد التحرير والإصرار على الاحتفاظ بالسلاح بحجة مزارع شبعا، ثم أصبح في النهاية مكشوفًا تمامًا بعد الاتفاق على وقف الأعمال العدائية واستمرار إسرائيل في الاعتداءات يوميًا من دون أي رد من "حزب الله".
ولا أحد، بات يجهل لماذا أصرت الوصاية السورية والإيرانية على سحب المقاومة الوطنية اللبنانية من الميدان لمصلحة "المقاومة الإسلامية" وانفرادها بمواجهة العدو. فليس من أجل مقاومةٍ أفضل للاحتلال كان ذلك بل من أجل خدمة المشروع الإقليمي الإيراني ومشروع النفوذ السوري عبر جبهة أمامية للدفاع عن طهران ودمشق التي أربكها الانسحاب الإسرائيلي. وهذه اللعبة انتهت. وما بقي وصار معلنًا بعدما كان محكومًا بـ "التقية" هو الدور المذهبي للسلاح في اللعبة الداخلية اللبنانية. والدور "الشيعي" للسلاح ينفي الدور الوطني الذي كان في الشعارات. لا بل إن السلاح الذي حرر الجنوب خاض "حرب إسناد لغزة أدت إلى إعادة الاحتلال وإطلاق يد نتنياهو في لبنان والمنطقة.
في أوائل حرب لبنان كتب تيودور هانف أن البلد انتقل من صراع على "مغانم قابلة للاقتسام" إلى صراع على "مبادئ غير قابلة للاقتسام" مثل الهوية والسيادة. وبعد عقود من وقف النار باتفاق الطائف يضعنا التمسك بالسلاح في صراع لا حل له. لكن الحل صار ممكنًا بدءًا بحصرية السلاح بعدما استعاد لبنان الهوية والسيادة.