عادةً ما تستدعي القضايا ما يلزمها من وسائل تلجأ إليها الجهات والشعوب دفاعًا عن حقّ أو سعيًا لتحقيق هدف محدّد. غير أنّ هذه الوسائل تفقد مشروعيتها تلقائيًّا بمجرّد أن تتحقق الغاية، أو حين تتوقّف عن خدمة القضية التي استدعتها.
لكن "حزب الله" يقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب. فالسلاح عنده ليس وسيلة، بل غاية تبحث عن مبرر. لا قضية تستولد السلاح، بل السلاح هو الذي يبحث عن قضية، يختلق العناوين ويستحضر الشعارات كي يُبقي على شرعية وجوده.
قبل انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، كان السلاح يُقدَّم على أنه أداة للتحرير. وحين جاء القرار الإسرائيلي المفاجئ بالانسحاب من الجنوب، سقط العنوان الذي وُضع لتبرير هذا السلاح. ونذكر يومها الأصوات التي علت رافضة للانسحاب، وتعتبره مؤامرة على لبنان.
بعد الانسحاب، جرى البحث سريعًا عن عنوان بديل. هكذا وُلدت قضية "مزارع شبعا" لتصبح العنوان الجديد في خدمة السلاح. لكن اللافت أن "حزب الله" لم يقم بأي عمل عسكري جدّي لتحريرها، ولم يسعَ إلى تثبيت لبنانيتها مع نظام الأسد. فالمطلوب لم يكن أكل العنب، بل قتل الناطور؛ أي إيجاد ذريعة دائمة تبقي السلاح قائمًا مهما تبدلت العناوين.
بعد حرب تموز 2006، بدا واضحًا أن عنوان "مزارع شبعا" هزل بفعل غياب العمل العسكري. وهكذا، تراجع هذا العنوان نسبيًّا ليتقدّم عنوان جديد أكثر فعاليّة بين بيئة "الحزب"، ولا سيما الجنوبيين منهم: "السلاح لردع إسرائيل"، هو الضامن لاستقرار القرى الحدودية ويحول دون أي مغامرة عسكرية إسرائيلية تهدّد أمنهم.
ظلّ عنوان "الردع" فعّالًا في خدمة السلاح، حتى جاءت الحرب الأخيرة لتكشف المستور. فقد تحوّلت تلك الحرب إلى فضيحة مدوّية لدور "الحزب" وسلاحه معًا. وانتهت باتفاق لوقف إطلاق النار كان بمثابة صك استسلام. وأدق توصيف له صدر عن أحد قيادات "حركة أمل" بقوله: "الرئيس بري رفع السكين عن رقبة حزب الله".
بعد سقوط "الردع" كعنوان في خدمة السلاح، لم يتأخر "حزب الله" في البحث عن عنوان جديد. انتقل إلى اللعب على وتر أكثر حساسية: إثارة الخوف داخل البيئة الشيعية نفسها. فـ "الحزب" يروّج أن الشيعة باتوا مستهدفين من كل الجهات؛ من إسرائيل، ومن المتطرفين في سوريا، ومن خصوم الداخل اللبناني. ويذهب أبعد من ذلك بالحديث عن مخططات لإلغاء دورهم السياسي وتهجيرهم قسرًا إلى العراق.
بهذا الخطاب، يحاول "الحزب" تحويل السلاح من عبء إلى مظلة أمان في وجه "المؤامرة" المزعومة، وتوظيفه في خدمة هدف واحد: الاحتفاظ بالسلاح، ولو على حساب استقرار الطائفة نفسها ومستقبلها.
ربما كانت أكثر اللحظات صدقًا في خطاب "حزب الله" مع نفسه ومع جمهوره، حين أعلن السيد حسن نصرالله صراحة أن "السلاح للدفاع عن السلاح". جملة تختصر كل المسار: فالسلاح لم يكن يومًا في خدمة المصلحة اللبنانية، ولا حتى في خدمة أبناء الطائفة الشيعية أنفسهم. على العكس، كل جولة عسكرية تحوّلت إلى مقبرة مفتوحة وفاتورة مضاعفة تُسجَّل على حساب الجنوب وأهله، فيما بقي السلاح بمنأى عن أي مساءلة، يُعاد تدوير وظيفته كل مرّة تحت عنوان جديد.
إن وظيفة السلاح الوحيدة هي الهيمنة على الطائفة الشيعية وإخضاعها لسلطته، بما يخدم نفوذ طهران. أما العناوين المتبدلة من التحرير إلى الردع إلى الحماية، فما كانت سوى أقنعة تخفي حقيقة ثابتة: أن السلاح غاية في ذاته، ووسيلة لإبقاء لبنان أسيرًا لمشروع ولي الفقيه.