في لحظة ما، يجلس أحدهم في غرفة شبه معتمة، يضع سمّاعاته ويعيد تشغيل أغنية حزينة يعرف كلماتها عن ظهر قلب. بينما يختار آخر فيلمًا تراجيديًا رغم توفر عشرات الخيارات الكوميدية أو الرومانسية الخفيفة. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ينجذب بعض الأشخاص إلى هذا النوع من الأعمال الفنّية العاطفية الثقيلة بدل الهروب منها؟ هل هو مجرّد تفضيل لنمط ما، أم أننا أمام شكل من "الإدمان العاطفي" الخفيّ؟
العاطفة كمرآة للذات
يشير علماء النفس إلى أنّ الموسيقى والأفلام الحزينة، تعمل كمرآة تعكس مشاعرنا الداخلية. فحين يسمع الشخص أغنية حزينة، قد يجد في كلماتها وصفًا لمشاعره التي يعجز عن التعبير عنها. هذا التطابق بين "النَّص الفنّي" والحالة النفسية للمرء، يمنحه إحساسًا بالراحة، وكأنّ ثمّة من يشاركه ألمه أو يترجمه بدلًا عنه.
اللافت أنّ كثيرين يشعرون بعد الاستماع لمثل هذه الأغنيات بنوع من "التنفيس" أو "التطهير العاطفي"، وهو ما يُعرف في علم النفس بمفهوم "الكاثارسيس"؛ أي تفريغ المشاعر المكبوتة من خلال الفن.
متعة الحزن الآمن
الأفلام التراجيدية والأغنيات العاطفية لا تعرّضنا لخطر حقيقي، لكنها تتيح لنا اختبار مشاعر الفقدان والانكسار داخل بيئة آمنة. نشاهد بطلًا يخسر حبيبته أو نسمع مغنيًا يئنّ على فراق، فنعيش التجربة بعمق لكننا نعرف في قرارة أنفسنا أنّ حياتنا اليومية مستمرة. هذه المسافة بين "الخيال" و"الواقع" تمنح المتلقّي نوعًا من المتعة الغريبة، أشبه بتجربة ركوب "قطار الموت": الخوف حاضر، لكننا في النهاية بأمان.
إدمان عاطفي؟
لكن هل يمكن أن يتحوّل هذا المَيل إلى نوع من الإدمان؟ بعض الأبحاث الحديثة يشير إلى أنّ التعرّض المستمر للفنون الحزينة قد يعزز إفراز "الدوبامين" و "الأوكسيتوسين"، الهرمونَين المرتبطَين بالراحة والتعاطف. بمعنى آخر، يشعر الدماغ بمكافأة بعد كلّ تجربة حزينة فنّية، ما يجعل الشخص راغبًا في تكرارها. إلا أنّ علماء النفس يفرّقون بين "التذوّق" و"الإدمان". فحين يصبح اللجوء إلى سماع الأغنيات الحزينة الوسيلة الوحيدة لمواجهة الضغوط أو الهروب من الواقع، قد يدخل الفرد في دائرة مغلقة تزيد من مشاعر الكآبة بدل التخفيف منها.
أمثلة من اليوميّات
في هذا الإطار، تروي شابة فقدت والدها أنها لم تستطع البكاء في الجنازة، لكن بعد أيام وجدت نفسها تبكي بحرقة مع سماعها أغنية حزينة تصف الفقدان. تقول: "الموسيقى سمحت لي أن أواجه حزني الذي كنت أهرب منه". شاب آخر يفضّل من جهته مشاهدة الأفلام التراجيدية بدل الكوميدية بصورة دائمة. يشرح ذلك قائلاً: "عندما أرى أبطال الفيلم يواجهون مآسيهم، أشعر أنني لست وحدي في معاناتي".
شهادتان تؤكّدان أنّ "الفن الحزين" ليس مجرّد ترفيه، بل وسيلة لمعالجة مشاعر معقّدة.
بين الفن والطب النفسي
الأطبّاء النفسيّون يوصون من جهتهم بالتوازن: الاستماع للأغنيات الحزينة أو مشاهدة الأفلام التراجيدية قد يكونان صحيَّين إذا ساعدا الشخص على فهم الذات والإفراج عن المشاعر. لكنّ الإكثار من متابعتها، خصوصًا عند من يعانون من اكتئاب أو عزلة، قد يكرّس الحالة السلبيّة بدل كسرها. هنا يظهر دور الوعي: متى يكون الحزن الفنّي أداة شفاء، ومتى يتحوّل إلى فخ عاطفي يستهلك صاحبه؟