طوني كرم

لبنان يتحرّك لاسترداد غريتشوشكين: هل تنقلب معادلة "النيترات"؟

5 دقائق للقراءة

بينما تشخص الأنظار إلى العدلية في بيروت بانتظار إعلان المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، ختم التحقيق بين يوم وآخر، وإحالته إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها تمهيدًا لإصدار القرار الاتهامي؛ جاء الإعلان عن توقيف رجل الأعمال الروسي – القبرصي إيغور غريتشوشكين (Igor Grechushkin) في بلغاريا ليقلب المشهد.


إزاء هذا التطور، تجمّدت الاندفاعة الداخلية لطيّ صفحة التحقيق، وانتقل الاهتمام إلى الإجراءات التي يتعين على السلطات اللبنانية القيام بها لضمان أعلى مستويات التعاون القضائي مع بلغاريا، في ظل غياب اتفاقية تسليم مطلوبين بين البلدين كان يمكن أن تسهّل المهمة عبر مبدأ "المعاملة بالمثل" بين الحكومات.



وفور تبلغ النيابة العامة التمييزية خبر التوقيف، باشرت إعداد طلب استرداد غريتشوشكين، مرفقًا بملف متكامل، يتضمن ملخّص الدعوى والأدلة والوقائع ودور الموقوف فيها، وهي العناصر نفسها التي استند إليها القضاء اللبناني لإصدار مذكرة التوقيف بحقه وتعميمها عبر الإنتربول. ومن المنتظر أن يسلك الطلب مساره إلى وزارة العدل غدًا، ثم إلى وزارة الخارجية لرفعه رسميًّا إلى السلطات البلغارية. لكن القرار النهائي يبقى بيد السلطات البلغارية التي ستختار بين خيارات عدّة: الاستجابة لطلب لبنان وتسليمه، رفض الطلب والاكتفاء بمحاكمته على أراضيها، أو إحالته إلى إحدى دولتيه (روسيا أو قبرص) بحكم جنسيته المزدوجة.



في حال رفض التسليم، يتيح الإطار القانوني الدولي للبنان المطالبة باستجوابه على الأراضي البلغارية، إما بحضور المحقق العدلي شخصيًّا إذا رُفع قرار منعه من السفر، أو عبر وسائل الاتصال الإلكترونية. كما أن روسيا وقبرص تحتفظان بحق طلب استرداده ومحاكمته محليًّا، ما سيعني إلزام لبنان بتقديم طلب تعاون قضائي جديد مع الدولة التي ستبقيه على أراضيها.



غريتشوشكين و"روسوس": بين المالك والمستأجر

تكمن أهمية الاستماع إلى غريتشوشكين في كونه مدعى عليه من القضاء اللبناني، ولأن شهادته قد تفكك الصورة المتشابكة التي أحاطت بالسفينة "روسوس MV Rhosus". كما أنّ إدلاءه في معلومات غير مسبوقة، وعلى جانب كبير من الأهمية، تستدعي التعمّق في التحقيق. عندها سيجد البيطار نفسه أمام تطوّر جدي في جوهر قراره شبه المنجز. أما إذا لم يقدّم أي معلومات جوهرية، فيتسلّح البيطار بما وصل إليه، ويستكمل التحقيق مساره إلى المجلس العدلي، ويحاكم غريتشوشكين غيابيًّا في حال برز رفض من الدول المعنية للتعاون قضائيًّا مع لبنان.



وكان قبطان الباخرة الروسي بوريس بروكوشيف (Boris Prokoshev)، الذي تسلم قيادتها عام 2013، أكد أن غريتشوشكين "تخلى عن السفينة والطاقم، ولم يسدد أجورهم ولا ديونه للمرفأ". ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عنه في آب عام 2020، أن غريتشوشكين "رجل أعمال روسي مقيم في قبرص، اشترى السفينة عام 2012 من رجل الأعمال القبرصي خارالامبوس مانولي (Charalambos Manoli)".



في المقابل، كشف تحقيق استقصائي لـ OCCRP بالتعاون مع Der Spiegel أن ملكية السفينة كانت "مسجّلة على الورق باسم شركة وهمية في بنما تدعى Briarwood Corp، فيما تولى غريتشوشكين تشغيلها كمستأجر أو مشغّل".

هذا التضارب بين صفة "المالك" و"المستأجر" يفتح ثغرة قانونية أساسية، إذ إن توصيف دوره بدقة، يحدد مسؤوليته المباشرة عن شحنة نيترات الأمونيوم التي أُفرغت في مرفأ بيروت عام 2014، وبقيت حتى تسببت في كارثة الرابع من آب 2020.



العقبة الإجرائية: قيود على المحقق العدلي

في الموازاة، تبقى القيود المفروضة على القاضي طارق البيطار عقبة أساسية أمام أي استجواب مباشر لغريتشوشكين خارج لبنان. المحامي يوسف لحود، عضو مكتب الادعاء في نقابة المحامين، يحمّل الهيئة الاتهامية المسؤولية عن التأخير في البت باستئناف النائب العام التمييزي السابق غسان منيف عويدات قرار القاضي حبيب رزق الله، في الادعاء بوجه البيطار بجرم "انتحال صفة محقق عدلي واغتصاب السلطة". ويشدّد على أن المطلوب من الهيئة ينحصر فقط بالبتّ إذا ما كان ادّعاء النيابة العامة واضح أو يتطلب التصحيح، مما يتيح للقاضي رزق الله استكمال مسار محاكمة البيطار أو البتّ بها. ويرى لحود أن استمرار منع البيطار من السفر خلافًا للأصول، التي تحدد سقف هذا المنع بسنة واحدة فقط، يُشكل "إهمالًا وقلة دراية"، ويعرقل إمكانية انتقاله شخصيًا إلى بلغاريا أو غيرها لاستجواب الموقوف.



توقيف إيغور غريتشوشكين في صوفيا، يمثل فرصة نادرة أمام القضاء اللبناني لكشف إحدى أهم الحلقات الغامضة في ملف المرفأ. لكن الاستفادة من هذه الفرصة مرهونة بمدى سرعة وجدية السلطات اللبنانية، وبقدرتها على تأمين تعاون قضائي دولي فعّال، بالتوازي مع رفع العراقيل الداخلية التي تكبّل عمل المحقق العدلي. فغريتشوشكين، الذي تتأرجح صفته بين "مالك" و"مستأجر" و"مشغّل"، قد يحمل في جعبته الإجابات التي طال انتظارها حول هوية المستفيد الأول من تخزين "نيترات الموت" في قلب العاصمة.