شربل صيّاح

أبعد من المقاومة

4 دقائق للقراءة

يشترك اللبنانيون جميعاً في معاناة اقتصادية واجتماعية خانقة، تعود بالدرجة الأولى إلى انهيار الدولة المركزية وعجزها عن إدارة الأزمات. غير أنّ التباين الأكبر يظهر في البعد العسكري والسيادي، حيث تتمايز بيئة حزب الله عن سائر البيئات اللبنانية. فالجنوبيون، الذين يشكّلون عماد الحاضنة الاجتماعية للحزب، لم يعيشوا يوماً في كنف استقرار كامل، بل وجدوا أنفسهم في قلب صراع مفروض مع إسرائيل، لعبت فيه إيران وحزب الله وإسرائيل أدواراً متشابكة.



إنّ اختصار حزب الله بكونه مجرّد ردّ فعل على اجتياح إسرائيلي أو ظرف تاريخي محدود هو خطأ تحليلي فادح. فالحزب في جوهره امتداد مباشر لمنظومة الحرس الثوري الإيراني، وهي منظومة لا تعترف بالدول ولا بالمؤسسات الشرعية، بل تتغذّى على الفوضى والعقوبات وتبني اقتصاداً موازياً خارج المنظومة المالية العالمية. لذلك فإنّ مقاربة “حصرية السلاح” ليست مجرد مسألة داخلية، بل هي في صميم معركة استعادة الدولة نفسها.



الحل على صعيدين

الحل لا يمكن أن يكون في حوار شكلي أو تسوية ترقيعية مع حزب الله. بل هو يكمن في مسارين متلازمين:



1. الصعيد العسكري: على الجيش اللبناني أن يفرض سيطرته الكاملة بقوة القانون والمؤسسات، من دون أي استثناء. وأي تهويل بأنّ هذا الخيار سيؤدي إلى حرب أو نزاع داخلي هو تهويل سخيف، يهدف فقط إلى تشويه صورة الجيش من جهة، وصورة الجنوبيين وبيئة حزب الله من جهة أخرى. الحقيقة أنّ حضور الجيش لا يُخيف الجنوبيين بل يطمئنهم، لأنه يضعهم في كنف دولة تحميهم لا في مواجهة مفتوحة يدفعون ثمنها وحدهم.



2. الصعيد السياسي: على العهد، وفي طليعته رئيس الجمهورية، وعلى القوى السياسية اللبنانية كافة، أن يعملوا على دعم وإبراز شخصيات شيعية وطنية قائمة في الساحة السياسية، لديها حضور وشرعية وقدرة على تمثيل الناس. دعم هذه الشخصيات ليس مجرد خيار سياسي بل هو واجب وطني، لأنّه يفتح الباب أمام بيئة حزب الله كي تنتقل تدريجياً من موقع خارج الدولة إلى موقع داخلها، حيث تمارس العمل السياسي وفق معايير الدولة السيادية، وتحمي أمن جميع المواطنين على قدم المساواة.



نحو مرحلة انتقالية (ترانزيتوار)

إنّ البيئة الشيعية، وبالأخص الجنوبية والبقاعية، عاشت على وقع الصراع المفروض عليها، وأُجبرت أجيال متتالية على التكيّف مع منطق الحرب والمقاومة. كثير من العائلات دفعت أبناءها إلى صفوف حزب الله لا حبّاً بالقتال بل انسجاماً مع مسار تاريخي فرضته الظروف. هذه المسؤولية لم تكن يوماً على الناس أنفسهم، بل على الدولة اللبنانية التي غُيّبت عن قصد فأصبح الجنوب أسيراً لمعادلة إيرانية ـ إسرائيلية.



اليوم، تقع المسؤولية على الدولة اللبنانية أن تُخرج هذه البيئة من أسر السلاح والوظيفة الإقليمية، وأن تمنحها الأفق السياسي والاجتماعي الذي يتيح لها الاندماج في مشروع الدولة. إنّ فرض سلطة الجيش ودعم الشخصيات الوطنية الشيعية سيؤسّس لفترة انتقالية (ترانزيتوار) تنقل هذه البيئة من موقع التوظيف الإقليمي إلى موقع الشراكة الوطنية. عندها فقط ترتقي أولويات الجنوبيين إلى مستوى أولويات اللبنانيين الآخرين: التعليم، الجامعات، الاقتصاد، الحياة الكريمة، لا الموت في معارك بالوكالة.



أبعد من أسامة سعد

من هنا نفهم تماماً دلالة ما قاله النائب أسامة سعد في ذكرى تأسيس الحركة الوطنية، حين ذكّر بأنّ المقاومة كانت في الأصل وطنية عابرة للطوائف قبل أن تتحوّل إلى مقاومة طائفية. انزعاج شخصيات حزب الله من هذا الكلام، ومغادرتهم الاحتفال، لم يكن مفاجئاً. فهو ببساطة كشف الفارق الجوهري بين تجربة وطنية لبنانية جامعة مثل الحركة الوطنية التي انخرطت في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في الجنوب ضد إسرائيل، وبين مشروع حزبي طائفي إقليمي لا يجمع اللبنانيين بل يفرّقهم.



إنّ حصرية السلاح ليست هدفاً تقنياً بل معركة وجودية، تتطلب إرادة سياسية على أعلى مستوى، وحضوراً عسكرياً صارماً، ودعماً لشخصيات وطنية بديلة قادرة على تمثيل الشيعة في مشروع الدولة لا في مشروع الثورة الإيرانية. هذان المساران معاً ـ العسكري والسياسي ـ هما الطريق الوحيد لإخراج لبنان، والجنوبيين خصوصاً، من الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، ونقله إلى فضاء الدولة السيادية الحديثة التي تحمي أبناءها جميعاً.