رغم أن مصطلح "الاتفاق الأمني السوري - الإسرائيلي" قد يبدو غريبًا نظرًا لعدم وجود اتفاق سلام رسمي بين الدولتين، إلّا أن التفاهمات الأمنية غير المباشرة بين الطرفين واتفاق فض الاشتباك عام 1974، شكّلت نوعًا من الستاتيكو على طول جبهة الجولان على مدى عقود، ومذاك حكم هذا الاتفاق الأمني العلاقة العسكرية في منطقة الجولان وبقي ساريًا رغم الحرب الأهلية في سوريا، ما جعله بحكم الأمر الواقع أحد أطول التفاهمات الأمنية استقرارًا في الشرق الأوسط.
أما اليوم، فالمحادثات بين سوريا وإسرائيل برعاية أميركية حول اتفاق أمني جديد تحرز تقدمًا، في ضوء التطورات بعد سقوط نظام الأسد وما تبعه من توغل إسرائيلي في مناطق جنوب سوريا، كما الحوادث في السويداء والساحل السوري.
وفيما يستعد كل من دمشق وتل أبيب لبحث هذا المقترح الأمني الجديد الذي قد ينهي ترتيبات اتفاق فض الاشتباك ويرسم خريطة جديدة على حدود الجولان، يقف الجنوب السوري أمام لحظات مفصلية تعيد رسم المشهد الميداني بشروط جديدة، إلا أن الثابت الوحيد الذي لم ولن يتغيّر في معادلة "توازن الردع" هذه هو "جبل الشيخ"، العين الاستراتيجية لإسرائيل.
"جبل حرمون" هو أعلى نقطة في المنطقة الواقعة بين سوريا ولبنان وإسرائيل، وتكمن أهميته الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل في موقعه الجغرافي المتفوق، إذ من قمة جبل الشيخ يمكن مراقبة مساحات واسعة من جنوب لبنان، ودمشق، والجولان، وحتى شمال إسرائيل، ما يسمح برصد تحركات القوات على مدى عشرات الكيلومترات في كل الاتجاهات، فيما حوّلت إسرائيل قمته إلى مركز مراقبة إلكترونية واستخباراتية متقدمة جدًا، مزوّد برادارات قادرة على التقاط اتصالات وتحركات من عمق الأراضي السورية حتى الحدود العراقية.
يُعدّ جبل الشيخ نقطة حماية لإسرائيل يتيح لها رصد أي محاولة تسلّل من الجولان أو جنوب لبنان، كما يوفر لها في حال اندلاع حرب، نقطة انطلاق استراتيجية لأي عمليات هجومية أو دفاعية، بالإضافة إلى أنه مصدر رئيسي لمياه نهر الأردن، وموقعه يمنح إسرائيل تفوقًا في التحكم بمصادر المياه. كل ما سبق يجعل من جبل الشيخ ورقة استراتيجية بيد إسرائيل لا يمكن التفريط بها.
خلال مفاوضات بين الطرفين جرت في التسعينات، اشترطت سوريا استعادة كامل الجولان، الأمر الذي رفضته إسرائيل تمامًا. ومنذ اعتراف إدارة ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان عام 2019، ازداد التصلّب الإسرائيلي تجاه أي طرح متعلق بالانسحاب. ورغم أن جبل الشيخ ليس جزءًا من الجولان المحتل الذي تطالب سوريا رسميًا باستعادته، إلا أن أي طرح يهدد موقع إسرائيل في الجبل، يعني حكمًا خسارة تفوق استخباراتي لا يمكن تعويضه، ما يُعدّ خطًا أحمر بالنسبة إلى إسرائيل، لن تسمح بتخطيه، وهي التي تخطت كل الخطوط الحمر.
لذا، فإن الحديث عن تخلي إسرائيل عن جبل الشيخ يبدو بعيد المنال، فهذا الجبل ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو "البرج العالي" الذي تطل منه إسرائيل على قلب الشرق الأوسط. أما التفاهمات الأمنية الجديدة مع سوريا، فمن المرجح أن تظل في إطارها المحدود، القائم على الردع المتبادل بشروط جديدة، وليس الثقة المتبادلة.