الدكتور سايد حرقص

عملية "البيجر": تحوّل في استراتيجيات الصراع

5 دقائق للقراءة

​في يومي 17 و18 أيلول 2024، شهدت شبكة الاتصالات التابعة لـ"حزب الله" في لبنان وسوريا حدثًا أمنيًا غير مسبوق، تمثّل في انفجار آلاف أجهزة البيجر اللاسلكية أثناء أول مناورة تجريبية بإشراف السفير الإيراني شخصيًا. أسفرت هذه العملية عن إصابات واسعة، خاصة في صفوف مقاتلي قوة "الرضوان" النخبوية لدى "حزب الله".



أشارت التقارير الإعلامية والاستخباراتية إلى أن هذه الأجهزة قد جرى تعديلها وتزويدها بمكونات متفجرة أثناء عملية التصنيع أو عبر سلسلة التوريد، وأن العملية كانت من تخطيط جهاز استخباراتي إسرائيلي. ومن المعروف أن "حزب الله"، هدف من خلال استعمال أجهزة "البيجر" تقديم نموذج ذكي يخدع العدو، ويزيد من معنويات المقاتلين، ويحسّن التواصل الآمن بينهم، لكن هذا المشروع تحوّل إلى فشل تقني وأمني قاتل، وكشف عن ثغرات بنيوية عميقة في منظومة التخطيط والمشتريات لدى "حزب الله" وإيران، وأثار نقاشًا حول الانتقال من استراتيجيات الصراع التقليدية إلى أخرى مبتكرة تعتمد على الاختراق اللوجستي والمخابراتي والسيبراني.



​لم يكن نجاح إسرائيل في تنفيذ عملية "البيجر" صدفة، بل جاء نتيجة تخطيط استخباراتي دقيق استهدف نقاط ضعف جوهرية في استراتيجية "حزب الله"، إضافة إلى إهمال بنيوي في أجهزة الحزب لعملية مراقبة البضائع المستوردة. وهنا يُطرَح السؤال: ما دامت المشتريات تتم تحت إشراف إيراني، وإذا كان نظام الرقابة في "حزب الله" ضعيفًا، فلماذا فشل نظام المراقبة الإيراني في تحديد الخطر؟ وهل كانت المأساة لتحصُل لو تم استيراد هذه الأجهزة بطريقة شرعية وتولى الجيش اللبناني أو معهد البحوث الصناعية فحصها؟



​مما لا شك فيه أن المخابرات الإسرائيلية كانت تملك معطيات كافية للتسلل إلى داخل اللعبة وتغيير أُسسها. وبدلًا من الاعتماد على الضربات الصاروخية التقليدية التي كانت ستثير ردود فعل عسكرية واسعة، اختارت الاستخبارات الإسرائيلية نهجًا "خارج الصندوق" يركز على:



- ​الاختراق بدلًا من الهجوم: تمكنت المخابرات الإسرائيلية من التسلل إلى سلسلة التوريد المشتركة بين إيران و"حزب الله". هذا الاختراق اللوجستي سمح بزرع أجهزة متفجرة داخل أجهزة البيجر قبل وصولها إلى المستخدم النهائي. هذا التكتيك لم يسبب خسائر بشرية ومادية فحسب، بل زرع أيضًا الشك وانعدام الثقة في صفوف الحزب وقيادته.



- ​استغلال المفاهيم الأمنية التقليدية: يُعتَقَد أن المخابرات الإسرائيلية نجحت في استغلال قناعة قادة "حزب الله" والمخابرات الإيرانية بأن أجهزة البيجر أكثر أمانًا من الهواتف الذكية أو الأقمار الصناعية، لأنها لا تتطلب اتصالًا بالإنترنت أو شبكات خلوية يمكن تعقّبها. هذه القناعة الأمنية التقليدية أصبحت نقطة ضعف اُستُغِلَّت ببراعة. فالمخابرات الإسرائيلية لم تخترق الأجهزة التقنية فحسب، بل اخترقت أيضًا طريقة تفكير العقلية الأمنية التي وثقت بها.



- ​الضربة النفسية وتدمير الشرعية: تجاوزت العملية البعد الأمني إلى البعد النفسي. فالتفجيرات لم تستهدف القيادات العليا فحسب، بل طالت مقاتلين في الصفوف النخبوية، وحتى مدنيين من البيئة الحاضنة للحزب. هذا النوع من الهجوم لا يهدف فقط إلى الإضرار الجسدي، بل إلى تدمير الثقة في قدرة القيادة على حماية عناصرها وشعبها. أظهرت الحادثة أن الاعتقاد الموجود لدى قيادة "حزب الله"، والمتمثل بأن القوة التقليدية المكونة من 100 ألف صاروخ و100 ألف مقاتل التي كان يتغنّى بها السيد حسن نصر الله، لم يعد كافيًا لضمان الأمان، مما يمثل هزَّة كبيرة في الرؤية الاستراتيجية للقيادة أمام قاعدتها الشعبية.



​لطالما اعتمد "حزب الله" وإيران استراتيجية عسكرية تقليدية تركز على تراكم القوة النارية من صواريخ ومُسيّرات وإعداد المقاتلين. هذه الاستراتيجية، التي تقوم على الردع عبر "استعراض العضلات"، أصبحت عرضة للهجمات الحديثة التي لا تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على العمل عن بُعد. استخدمت الاستخبارات الإسرائيلية في هذه العملية تقنيات متطورة للحصول على المعلومات وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي لتحديد نقاط الضعف، ومن ثم التسلل عبرها إلى عقل وأعصاب وجسم الخصم. وقبل أن يتمكن "حزب الله" من التقاط أنفاسه أو الشروع في تقييم داخلي للأمن السيبراني واللوجستي، استكملت إسرائيل خطتها باغتيال قياداته ومسؤولي أجهزته الأساسية، مما زاد من مستوى الارتباك وانعدام الثقة لدى الحزب وعناصره وبيئته الحاضنة.



​مما لا شك فيه أن "حزب الله" اخترق، ضمن استراتيجية واضحة، جميع المجتمعات اللبنانية، وقضى على أي معارض داخل الطائفة الشيعية، وجنّد مشايخ من الطائفة السنية وكهنة ورهبانًا عند الطوائف المسيحية للدفاع عنه، كما جنّد صحافيين و"مفكرين" من جميع الطوائف لتسويق وتحسين صورته، بالإضافة إلى إنشاء ميليشيات وتنظيمات مسلّحة تحت مسمى "سرايا المقاومة" لاستغلالها في المشاكل الداخلية. لكنه لم يركز على اختراق الكيان الصهيوني مخابراتيًا وأمنيًا بشكل يؤمّن له المعلومات المطلوبة، لأنه إما كان يعتقد أنه يمتلك فائض قوة كافيًا لردع العدو على طريقة: "أطلِق الدعاية ثم صدّقها"، أو أنه ومن ورائه إيران لم يمتلكا الاستراتيجية الكافية لاختراق أجهزة الكيان.



​حادثة "البيجر" هي نموذج لمرحلة جديدة من الحرب، ليست مجرد مواجهة بالصواريخ، بل هي صراع على الثقة، وعلى سلاسل الإمداد، وعلى القدرة على التكيف مع مفاهيم أمنية جديدة. إنها تذكير بأن "الحصانة التقليدية" لم تعد كافية، وأن النجاة تتطلب مقاومة معرفية ولوجستية، لا مجرد استعداد ميداني وخطابات رنَّانة.