يتفاقم عجز "حزب الله" عن تحويل هزائم أيلول إلى غير ما هي عليه بالتصعيد اللغوي. وحدها الأفعال قد تسمح بتجاوزها والعبور إلى واقع أفضل، إذا ما اقترنت بالوعي وليس بالغوغائية الشعبوية، وبالاستكبار الرافض للوعي والاعتراف والقبول، ومن ثم رسم مسار انطلاقة جديدة.
حينها، ربما يتمكن من ابتلاع هزائمه والنهوض من حضيضه. لا قيامة له قبل ذلك، ولن ينفعه انخراطه في أكبر مافيات دول أميركا اللاتينية لتهريب المخدرات وتبييض الأموال عبر شبكات تخترق القارات، ليستنبط قوة وثروة لن تفيده في المعادلات اللبنانية والإقليمية. فما ساهم بانكشافه واختراق العدو الإسرائيلي له، هو هذه النشاطات المرتبطة بكارتيلات ومافيات، والتي تتطلب توسّعًا وانفتاحًا وتعاملًا مع جهات لا تؤمن بالإيديولوجيات والعقائد، بل بالمكاسب من أي جهة وأي مصدر، مبدأها أن من يدفع أكثر ينل الخدمة المطلوبة... ونقطة على السطر.
الواقع على الأرض يبين أن "الحزب" عاجز حيال العدو الإسرائيلي الذي لا يزال يوجه للجنوبيين إنذارات بالإخلاء ليقصف ما تبقى من مخازن أسلحته، مهما تباهى طرابين حبقه بأنه قوي جدًا جدًا في كل من كولومبيا والبرازيل وفنزويلا.
هو يعرف ذلك، ويعرف أن استمراريته ليست مستمدة من علاقته الودية مع رؤساء في دول تنخرها المخدرات وتجارتها، وإنما من الداخل. لا ينفعه الخارج إذا ما كان الداخل مفصولًا عنه، ويستوجب ألف وألف طريقة للتمكن من تمويله عبر تهريب المال غير النظيف. ما يجري في الداخل قصم عموده الفقري، بحيث لم تعد "المقاومة" خياره، فكيف بها "خيار الناس عمومًا". وقطعًا هي ليست "ثابتة في نهجها الذي يقارع المحتل ويذود عن الوطن وأهله في وجه العدوان". فالعدوان، وبكل أسف، لا يزال يكشف عن وجهه البشع والدموي مع 4500 خرق، من دون أي شكل من أشكال "المقارعة" لتبرير التمسّك بسلاح لم يعد يعرف إن كان سيستخدمه وأين بانتظار تعليمات مشغِّله!
كارثة "حزب الله"، أنّه لا يملك قراره ليضع خطة تتيح له التعامل مع المرحلة الراهنة بصفته جزءًا من الحياة التشريعية والتنفيذية اللبنانية. "الحزب" يواصل إملاءاته على الدولة التي يخوِّن حكومتها، ويرفض القيام بخطوة واحدة تظهر استعداده لتحمُّل مسؤولية المواجهة الفعلية لإسرائيل عبر هذه الحكومة التي يشارك فيها، ويطالبها بخدمة مصالحه.
لذا، مع عودة أيلول، لا لزوم لفلسفة ما حصل مع تفجيرات "البيجر" واغتيال كبار القادة وصولًا إلى الأمينين العامين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، والانتشاء بسرد سيل الانتصارات التي حققها ما وراء البحار.
وربما لا سبيل لتقريش انتصاراته هذه، إلا بـ "تراسفير" لبيئته الحاضنة إلى الدول التي صارت ملعبه، لترتاح وتنعم بالعزة والكرامة والسيولة والرفاهية، بعيدة عن قراها المحروقة وعن هزائم أيلول، وعن نظرات الشماتة ممن رفض "الحزب" أن يكون شريكًا لهم في الوطن والمواطنة.