أنطونيو رزق

"حل الدولتين"... الحلم الفلسطيني يصطدم بالواقع الإسرائيلي

6 دقائق للقراءة
إسرائيل تعمد إلى توسيع مستوطناتها في الضفة الغربية (رويترز)

تستضيف نيويورك اليوم مؤتمرًا دوليًا قبيل انطلاق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، لمواصلة المفاوضات في شأن «حل الدولتين» التي بدأت في اجتماعات عقدتها الجمعية العامة هذا الصيف برئاسة السعودية وفرنسا، والتي توّجت باعتماد الجمعية هذا الشهر «إعلان نيويورك»، الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، ونزع سلاح حركة «حماس» واستبعادها من الحكم في غزة، وتنفيذ «حل الدولتين»، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والعالم العربي. وفيما اعترفت بريطانيا وأستراليا وكندا والبرتغال أمس بدولة فلسطينية، من المتوقع أن يشهد المؤتمر اعترافات إضافية اليوم من قِبل فرنسا وبلجيكا ومالطا وغيرها من الدول التي ستنضمّ إلى أكثر من 140 دولة أخرى تعترف بفلسطين، في حين ستحضر دول أخرى، مثل ألمانيا، المؤتمر، دعمًا لـ «حل الدولتين»، لكنها لن تقدم على الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت الحالي.


تنطلق السعودية وفرنسا والدول التي قرّرت الاعتراف بدولة فلسطينية من عدة اعتبارات، أوّلها أن الضغوط الدبلوماسية على إسرائيل قد تساهم في وقف الحرب اللامتناهية في قطاع غزة ولجم توسيع المستوطنات في الضفة الغربية. بالإضافة إلى ذلك، ينصّ «إعلان نيويورك» صراحة على استبعاد «حماس» من الحكم في غزة ونزع سلاحها، الأمر الذي تؤكد تل أبيب أنه هدف رئيسي لحربها في القطاع. كما أبدت السعودية وفرنسا في أكثر من مناسبة استعدادهما لدعم السلطة الفلسطينية ومساعدتها في إنجاز الإصلاحات المطلوبة لكي تتمكّن من تولّي حكم غزة والضفة، ما يحقق تطلّعات الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، مع مراعاة الهواجس الأمنية لإسرائيل.


ولكن، يصطدم «حل الدولتين»، الذي بدأ الحديث عنه عند توقيع «اتفاقات أوسلو» في التسعينات، بعوائق عديدة يصعب تخطيها، إذ إن إسرائيل هي الطرف الوحيد القادر على تنفيذ هذا الحل كونها الأقوى على الأرض، غير أنها باتت، خصوصًا بعد هجوم 7 أكتوبر وتبعاته، ترفض علنًا وبشكل حاسم إقامة دولة فلسطينية، معتبرة أن ذلك سيشكّل مكافأة لـ «حماس» وسيخلق ملاذًا ومنطلقًا لمجموعات مسلّحة تسعى إلى الإطاحة بالدولة العبرية، تمامًا كما حصل في غزة عندما انسحبت إسرائيل منها عام 2005، في وقت تدعم فيه أميركا، الدولة الوحيدة القادرة على الضغط بفعالية على إسرائيل، موقف الأخيرة من «حل الدولتين» بشكل كامل. فضلًا عن ذلك، يعيش أكثر من نصف مليون مستوطن إسرائيلي في الضفة التي تحتوي على معالم دينية وتاريخية تحظى بأهمية عقائدية كبيرة لدى الإسرائيليين، وقد أضحى للسياسيين الإسرائيليين المؤيّدين لضم «يهودا والسامرة» صوت قوي ومؤثر في الحكومة والكنيست.


تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع على الأرض تمنع قيام دولة فلسطينية، بحيث حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإثنين الماضي من أن «أي إجراء أحادي يمكن أن يُقابَل بإجراء أحادي»، في تهديد ضمني بضم الضفة الغربية أو أجزاء منها ردًا على الاعترافات بدولة فلسطينية، حاسمًا أنه «لن تكون هناك دولة فلسطينية». وعاد نتنياهو ليكشف أمس أنه سيعلن عن الردّ الإسرائيلي على قرارات الاعتراف بدولة فلسطينية، بعد اجتماعه المقرّر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 27 من الحالي. وجاء ذلك بعدما كانت الحكومة الإسرائيلية قد صادقت الشهر الماضي على مشروع E1 الاستيطاني الذي من شأنه فصل الضفة عن القدس الشرقية، وقد علّق وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على المشروع بالقول: «سيتحدّثون عن حلم فلسطيني وسنستمرّ في بناء واقع يهودي»، جازمًا بأن «هذا الواقع يدفن أخيرًا فكرة الدولة الفلسطينية». وأكد سفير أميركا في إسرئيل مايك هاكابي أن واشنطن لم تطلب من إسرائيل التراجع عن فرض سيادتها في الضفة، مشدّدًا على أن بلاده لن تملي على تل أبيب ما يجب أن تفعله في هذا الصدد.


توازيًا، تستمرّ إسرائيل بتوسيع عملياتها العسكرية في قطاع غزة من دون وجود أفق للمفاوضات بعد استهدافها وفد «حماس» التفاوضي في الدوحة، إذ أطلقت أخيرًا هجومًا بريًا واسع النطاق يستهدف السيطرة على مدينة غزة، الأمر الذي ترافق مع تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من شمال غزة إلى جنوبها. وبينما تبحث تل أبيب عن دول مستعدّة لاستقبال أعداد كبيرة من الغزيين، اعتبر سموتريتش الأسبوع الماضي أن القطاع يمثل «ثروة عقارية هائلة»، زاعمًا بأنه يجري محادثات مع الأميركيين حول كيفية «تقسيمه» بعد الحرب، إنما هاكابي أكد أن ليس لديه أي علم في شأن تلك المحادثات، مشيرًا إلى نقاشات تُجرى مع دول خليجية حول إدارة موَقتة للقطاع.


يتخوّف بعض الفلسطينيين من ردّ فعل عكسي للاعترافات بدولة فلسطينية، إلّا أن بعضهم الآخر يعتبر أن الضغوط الدبلوماسية على إسرائيل قد تنزل الأخيرة عن الشجرة، خصوصًا أن الاعترافات تأتي من دول غربية رئيسية لطالما كانت داعمة قوية للدولة العبرية، فيما يناقش الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات وقيود على التجارة مع تل أبيب بسبب استمرار حرب غزة وتوسيع المستوطنات في الضفة. من جهتها، تضغط الدول العربية التي تجمعها اتفاقات سلام مع إسرائيل، على تل أبيب، للتوقف عن اتخاذ خطوات من شأنها خنق أي أمل في التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، بحيث حذرت القاهرة من الخطر الذي تشكّله الحكومة الإسرائيلية الحالية على السلام القائم منذ السبعينات بين الدولتين، كما حسمت الإمارات أن ضمّ الضفة الغربية «خط أحمر» بالنسبة إليها.


على الرغم من أهمية المؤتمر المقرّر عقده اليوم والذي سيشارك فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر الفيديو بعدما رفضت أميركا منح أعضاء السلطة الفلسطينية تأشيرات دخول، لا يبدو أن الضغط الدبلوماسي سينجح في ثني إسرائيل عن متابعة تنفيذ مخطّطاتها في الضفة وغزة، إذ إنها تعتبر أن التغيير الهائل الذي طرأ على ميزان القوى في المنطقة بعد 7 أكتوبر يسمح لها بفرض حل جذري للمسألة الفلسطينية يقضي عمليًا بتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من الضفة وغزة، وضمّ أوسع مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، لذلك حاولت دول مثل ألمانيا أن تحض على عدم الاعتراف بدولة فلسطينية من جانب واحد الآن، مفضلة إعادة إحياء مسار المفاوضات مع إسرائيل على حل واقعي وقابل للتطبيق يراعي حق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم قدر المستطاع، من دون تشكيل خطر على إسرائيل.