نايف عازار

"مظلّة نووية" باكستانية للسعودية تعيد خلط "أوراق الردع"

4 دقائق للقراءة
ارتأت الرياض تعزيز روابطها العسكرية مع إسلام آباد (رويترز)

دفعت التطورات الأخيرة التي تعصف بالشرق الأوسط، خصوصًا الحروب الإسرائيلية المتعدّدة الجبهات، وتداعياتها الجسيمة على دول المنطقة، المملكة العربية السعودية إلى إعادة النظر في حساباتها الأمنية والردعية والاستراتيجية.


فبعدما كانت الرياض تستظلّ بالمظلّة الدفاعية الأميركية، نظرًا للتحالف الاستراتيجي التاريخي بين المملكة والولايات المتحدة الأميركية، ارتأى صنّاع القرار في السعودية توسيع "مروحة الردع" والتوجّه صوب جنوب آسيا، لملاقاة القوّة النووية لباكستان، وإبرام اتفاقية دفاعية معها، وهي خطوة وضعت مظلّة إسلام آباد النووية في قلب مشهد الأمن في المنطقة المضطربة.


الاتفاقية المبرمة بين "العملاق الاقتصادي" السعودي، الساعي إلى السلام، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي ينتهج سياسة "تصفير المشكلات" في المنطقة، ويتطلّع إلى تحويلها إلى دُرّة اقتصادية وسياحية عالمية آمنة، بعيدًا من الحروب اللامتناهية، وبين "العملاق العسكري" الباكستاني، ذات الغالبية الإسلامية السنية، والمدجّج بنحو 170 رأسًا حربيًا نوويًا، ستعيد بلا شك خلط "أوراق الردع" في المنطقة.


فالدولة العبرية التي تشن بلا هوادة حروبًا على جيرانها، ويصول طيرانها الحربي ويجول في الأجواء العربية، ليضرب ما يحلو له من أهداف في دول عدوّة ومحايدة على حد سواء، أقلقت السعودية، خصوصًا بعد الغارة الإسرائيلية التي استهدفت قادة "حماس" في قلب العاصمة القطرية الدوحة، التي كانت تتولّى مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل والحركة وإطلاق الأسرى، ليتيقن بذلك قادة المملكة من أن رأس الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرّفة بنيامين نتنياهو، المتفلّت من أي ضوابط، يمكن أن يضرب في أي مكان وزمان، معزّزًا بضوء أخضر أميركي مُضاء على غاربه، فوق الطاولة وتحتها.


لذلك، ارتأت الرياض تعزيز روابطها العسكرية والردعية مع إسلام آباد، لتوجّه بذلك رسائل حازمة إلى صنّاع القرار في تل أبيب، حيث يسود ترقب مَشوب بالقلق، إذ إن الدولة اليهودية التي تُعتبر الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، تراقب الوضع عن كثب. والاتفاقية التي بدأت أمنية بين السعودية وباكستان، يمكن أن تتحوّل في أي وقت إلى نووية، بمعنى أنها ربّما ترقى إلى حد تزويد إسلام آباد الرياض بسلاح نووي، ما يعيد خلط الأوراق الأمنية والردعية في المنطقة برمّتها.


علاوةً على ذلك، يحلو لبعض المراقبين العسكريين أن يعتبروا أن الترسانة النووية الباكستانية "السنية"، هي صمّام الأمان في الوقت الراهن في وجه الطموحات النووية للجمهورية الإسلامية "الشيعية"، وتشكّل نوعًا من توازن القوى، وقوّة ردع نووي إقليمية، تُضاف إلى قوّة ردع "العمّ سام" الدولية، في ظلّ تصدّع الثقة في التزام واشنطن بأمن المنطقة.


وإذا كانت "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك" الموقَّعة بين إسلام آباد والرياض، تشكّل ملاذًا أمنيًا ومظلّة نووية للسعودية، فإن باكستان، الدولة غير المنتعشة اقتصاديًا، لا بل تُعدّ من أفقر الدول الآسيوية، ستنعم بلا شك بوفرة مالية سعودية، تشكّل رافعة لاقتصادها النامي، والمتعطّش لضخّ أموال خليجية في شرايينه، ولطالما دعمت المملكة باكستان ماليًا لعقود، وكان آخرها قرض ناهز الثلاثة مليارات دولار.


بينما لم تُكشف تفاصيل وافرة عن الاتفاقية "المفاجئة" بين الجانبَين، واكتفت إسلام آباد بالإيحاء بأن أسلحتها النووية "ليست على رادار" الاتفاقية، بحكم أن العقيدة النووية الباكستانية المعلَنة تقول إن أسلحتها موجّهة فقط ضدّ جارتها اللدودة الهند، نقلت تقارير عن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف قوله إن برنامج بلاده النووي سيكون متاحًا للسعودية إن لزم الأمر، في حين ألمحت الرياض إلى أنها ستمتلك درعًا نوويًا فعليًا بموجب الاتفاقية. وفي هذا الإطار، أفاد مصدر وُصف بالمقرّب من الديوان الملكي لوكالة "فرانس برس" بأن المظلّة النووية الباكستانية ستغطي السعودية، وبأن الاتفاقية كانت قيد الإعداد منذ سنوات، وليست وليدة ساعتها، وبأن "النووي جزء لا يتجزأ من هذا الاتفاق"، في وقت يتوقع فيه المراقبون أن تنسحب الاتفاقية أيضًا إلى دول خليجية أخرى تدور في الفلك السعودي.